وفي سنن أبي داود، والنسائي، ومستدرك الحاكم، وتفسير ابن جرير، وابن مَرْدُوَيه، من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية:(وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) إنما (١) أنزلت في أهل بدر (٢) وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب النزول فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير، والله [تعالى](٣) أعلم.
يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم؛ ولهذا قال:(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي: بل هو الذي أظفركم [بهم ونصركم](٤) عليهم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]﴾ [آل عمران: ١٢٣]. (٥) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] يعلم ﵎-أن النصر ليس عن كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عند الله تعالى (٦) كما قال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
ثم قال لنبيه ﷺ أيضا في شأن القبضة من التراب، التي حصب بها وجوه المشركين (٧) يوم بدر، حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال:" شاهت الوجوه ". ثم أمر الصحابة أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله؛ ولهذا قال [تعالى](٨)(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم، وكبتهم بها لا أنت.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رفع رسول الله ﷺ يديه -يعني يوم بدر -فقال:" يا رب إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا". فقال له جبريل:"خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم" فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.
وقال السُّدِّيّ: قال رسول الله ﷺ لعلي، ﵁، يوم بدر:"أعطني حصبا من الأرض".
(١) في م: "أنها". (٢) سنن أبي داود برقم (٢٦٤٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٠٣) والمستدرك (٢/ ٣٢٧) وتفسير الطبري (١٣/ ٤٣٧). (٣) زيادة من م. (٤) زيادة من ك، م. (٥) زيادة من ك، م، أ، وفي هـ: "الآية". (٦) في م: "عنده تعالى". (٧) في أ: "القوم". (٨) زيادة من أ.