جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، التي (١) تستمر شريعته إلى قيام الساعة، وأتباعه أكثر من أتباع سائر الأنبياء والمرسلين كلهم، وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل، ﵇، ثم موسى [بن عمران] (٢) كليم الرحمن، ﵇؛ ولهذا قال الله تعالى له: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ) أي: من الكلام [والوحي] (٣) والمناجاة (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي: على ذلك، ولا تطلب ما لا طاقة لك به.
ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء، قيل: كانت الألواح من جوهر، وأن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكاما مفصلة مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله [تعالى] (٤) فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣]
وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة، فالله أعلم. وعلى كل تقدير كانت (٥) كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منه، والله أعلم.
وقوله: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) أي: بعزم على الطاعة (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو سعد (٦) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى ﵇ -أن يأخذ بأشد ما أمر قومه.
وقوله: (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) أي: سترون (٧) عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب؟
قال ابن جرير: وإنما قال: (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) كما يقول القائل لمن يخاطبه: "سأريك غدا إلام يصير إليه حال من خالف أمري"، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره.
ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد، والحسن البصري.
وقيل: معناه (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) أي: من أهل الشام، وأعطيكم إياها. وقيل: منازل قوم فرعون، والأول أولى، والله أعلم؛ لأن هذا كان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه، والله أعلم.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾
يقول تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي: سأمنع فهم (٨) الحجج
(١) في أ: "الذي".
(٢) زيادة من م، أ.
(٣) زيادة من م.
(٤) زيادة من ك، م، أ.
(٥) في، م، ك، أ: "فكانت".
(٦) في أ: "أبو سعيد".
(٧) في أ: "أي: ستروا".
(٨) في أ: "منهم".