بعضهم أن يأكل اللحم والودَك، وأن يأكل بنَهَار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء وكان (١) لا يدنو من أهله ولا تدنو منه. فأتت امرأتُه عائشةَ، ﵂، وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من أزواج النبي ﷺ: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين، لا تتطيبين؟ قالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع عليَّ زوجي وما رفع عني ثوبًا، منذ كذا وكذا. قال: فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال:"ما يضحككن؟ " قالت: يا رسول الله، إن الحولاء سألتها عن أمرها، فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبًا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال:"ما لك يا عثمان؟ " قال: إني تركته لله، لكي أتخلى للعبادة، وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ نفسه، فقال رسول الله ﷺ:"أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك". فقال: يا رسول الله، إني صائم. فقال:"أفطر". فأفطر، وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة [زوج رسول الله ﷺ](٢) وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه آتاها أمس، وقال رسول الله ﷺ:"ما بال أقوام حَرَّموا النساء والطعام والنوم؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رَغِب عني فليس مني". فنزلت:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) يقول لعثمان "لا تجُبَّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداء". وأمرهم أن يكفروا عن أيمانهم، فقال:(لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ) رواه (٣) ابن جرير.
وقوله:(وَلا تَعْتَدُوا) يحتمل أن يكون المراد منه: ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم في تحريم (٤) المباحات عليكم، كما قاله من قاله (٥) من السلف. ويحتمل أن يكون المراد: كما لا تحرموا (٦) الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقَدْر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوزوا الحد فيه، كما قال (٧) تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ]﴾ [الأعراف: ٣١]) (٨) وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فشرعُ الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط؛ ولهذا قال:(لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)
ثم قال:(وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا) أي: في حال كونه حلالا طيبًا، (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته (٩) وعصيانه، (الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)
(١) في ر: "فكان". (٢) زيادة من أ. (٣) في ر: "ورواه". (٤) في د: "بتحريم". (٥) في أ: "قال". (٦) في ر: "يحرموا". (٧) في د: "كقوله". (٨) زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية". (٩) في ر: "محارمه".