للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقوله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا [وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا] (١)) أي: فعَسَى أن يكون صبركم مع (٢) إمساككم لهن وكراهتهن فيه، خير كثير لكم في الدنيا والآخرة. كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يَعْطف عليها، فيرزقَ منها ولدًا. ويكون في ذلك الولد خير كثير (٣) وفي الحديث الصحيح: "لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن سَخِطَ منها خُلُقا رَضِيَ منها آخر" (٤).

﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا (٢٢)

وقوله: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) أي: إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذن مما كان أصدق الأولى شيئاً، ولو كان قنطارا من مال.

وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا.

وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق، ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سلمة (٥) بن علقمة، عن محمد بن سِيرين، قال: نُبِّئْت عن أبي العَجْفَاء السُّلميِّ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تُغْلُوا في صَداق (٦) النساء، فإنها لو كانت مَكْرُمَةً في الدنيا أو تَقْوَى عند الله كان أولاكم بها النبي ، ما أصْدَقَ رسولُ الله امرأةً من نسائه، ولا أُصدِقَت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أُوقِيَّة، وإن كان الرجل ليُبْتَلَى بصَدُقَةِ امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: كَلِفْتُ إليك عَلَق القِرْبة، ثم رواه أحمد وأهل السنن من طرق، عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء -واسمه هرم ابن مُسَيب البصري-وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٧).

طريق أخرى عن عمر: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خَيْثَمَةَ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن المجالد (٨) بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صُدُق النساء وقد كان رسول الله وأصحابه وإنماالصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة (٩) لم تسبقوهم إليها. فَلا أعرفَنَّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: (١٠) يا أمير المؤمنين، نَهَيْتَ الناس أن يزيدوا النساء صداقهم (١١) على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله (١٢) في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] (١٣)) [النساء: ٢٠] قال: فقال:


(١) زيادة من جـ، ر، أ.
(٢) في أ: "على".
(٣) في ر: "كبير".
(٤) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٦٩) من حديث أبي هريرة .
(٥) في أ: "مسهر".
(٦) في جـ، ر، أ: "صدق".
(٧) المسند (١/ ٤٠) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢١٠٦) والترمذي في السنن برقم (١١١٤) والنسائي في السنن (٦/ ١١٧) وابن ماجة: في السنن برقم (١٨٨٧).
(٨) في جـ: "مجالد".
(٩) في جـ، ر، أ: "أو مكرمة".
(١٠) في جـ، أ. "فقالت له".
(١١) في جـ، ر، أ: "في صدقاتهن".
(١٢) في جـ، أ: "ما قال الله".
(١٣) زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".