وأما ما خالف القياس في المعاوضات وغيرها من التصرفات فله أمثلة.
أحدها: أنَّ الرضا شرط في جميع التصرفات إلا أن يتعدَّد رضا المتصرِّف والعامل ورضا نائبهما فإن الحاكم يتصرف فيما لزمه من التصرفات القابلة للنيابة مع غيبته أو امتناعه على كره (منهم) – لعل صوابه: منه – إيصالا للحق إلى مستحقه ونفعًا للممتنع ببراءته من الحق.
ثم قال:
ولا بد لهذا الرضا من لفظ يدل عليه سواء كان مما يستقل به الإنسان كالطَّلاق والعتاق والعفو والإبراء، أما ما لا يستقل به كالبيع والإجارة، فإن لم يقم مقام اللفظ عرف تعين اللفظ إلا فيمن خرس لسانه وتعذَّر بيانه فإن إشارته تقوم مقام لفظه للحاجة إذ لا مندوحة عنه ولا خلاص منه وفي إقامة الكتابة مقام اللفظ في حق الناطق خلاف.
وإن حصل عرف دال على ما يدل عليه اللفظ كالمعاطاة في محقرات المبايعات واستعمال الصناع وتقديم الطعام إلى الضيفان، ففي إقامة العرف مقام اللفظ خلاف لاشتراكهما في الدلالة على الرضا على المقصود، فإن حصل العلم أو الاعتقاد أو ظن قوي يربي على الظن الذي ذكرناه أقيم ذلك مقام اللفظ لقوة دلالة العرف واطراده.
قال محمد الطاهر بن عاشور في – مقاصد الشريعة الإسلامية، [ص١٠٢] :
قد يستكن في معتقد كثير من العلماء – قبل الفحص والغوص في تصرفات التشريع – أن الشريعة إنما جاءت لتغيير أحوال الناس والتحقيق أن للتشريع مقامين:
المقام الأول: تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فسادها، وهذا المقام هو المشار إليه بقوله تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}[الآية ٢٥٧ من سورة البقرة] ، وقوله:{وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[الآية ١٦ من سورة المائدة] .
ثم قال:
والمقام الثاني: تقرير أحوال صالحة قد اتبعها الناس وهي الأحوال المعبر عنها بالمعروف في قوله تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ}[الآية ١٥٧ من سورة الأعراف] ، وأنت إذا افتقدت الأشياء التي انتحاها البشر منذ القدم وأقاموا عليها قواعد المدنية البشرية تجدها أمورًا كثيرة من الصلاح والخير توورثت من نصائح الآباء والمعلمين والمربين والرسل والحكماء والحكام العادلين حتى رسخت في البشر.