ووجه رابع: وهو أنَّ العوائد لو لم تعتبر لأدَّى إلى تكليف ما لا يطاق وهو غير جائز أو غير واقع، وذلك أنَّ الخطاب إمَّا أن يعتبر فيه العلم والقدرة على (المكلف به) – لعل صوابه: على التكلف به أو لدى المكلف به – وما أشبه ذلك من العاديات المعتبرة في توجه التكليف أولى. فإن اعتبر فهو ما أردنا , وإن لم يعتبر فمعنى ذلك أن التكليف متوجه على العالم والقادر وعلى غير العالم والقادر وعلى من له مانع ومن لا مانع له، وذلك عين تكليف ما لا يطاق، والأدلة على هذا المعنى واضحة كثيرة.
ثم قال:[ص٣٠٠] :
الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبَّد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني.
ثم قال [ص٣٠٥، ٣٠٧] :
وأما أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني فلأمور:
أولها: الاستقراء، فإنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد والأحكام العادية تدور معه حيثما دار فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز كالدرهم بالدرهم إلى أجل يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض، وبيع الرطب باليابس يمتنع حيث يكون مجرد غرر وربا من غير مصلحة، ويجوز إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولم نجد هذا في باب العبادات مفهومًا كما فهمناه في العادات.
ثم قال:
والثاني: أن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات كما تقدَّم تمثيله، وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص بخلاف باب العبادات فإن المعلوم فيه خلاف ذلك، وقد توسع في هذا القسم مالك – رحمه الله تعالى – حتى قال فيه بقاعدة المصالح المرسلة وقال فيه بالاستحسان، ونقل عنه أنه قال: إنه تسعة أعشار العلم حسب ما يأتي إن شاء الله.
والثالث: أنَّ الالتفات إلى المعاني قد كان معلومًا في الفترات، واعتمد عليه العقلاء حتى جرت بذلك مصالحهم وأعملوا كلياتها على الجملة فاطَّردت لهم سواء في ذلك أهل الحكمة الفلسفية وغيرهم، إلا أنهم قصّروا في جملة من التفاصيل فجاءت الشريعة لتتم مكارم الأخلاق، فدل على أنَّ المشروعات في هذا الباب جاءت متممة لجريان التفاصيل في العادات على أصولها المعهودات، ومن ههنا أقرَّت هذه الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالدِّية والقسامة والاجتماع يوم العروبة وهي الجمعة للوعظ والتذكير والقراض وكسوة الكعبة وأشباه ذلك مما كان عند أهل الجاهلية محمودًا وما كان من محاسن العوائد ومكارم الأخلاق التي تقبلها العقول وهي كثيرة.