للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أما حديث (المساومة) أو (المبايعة) فورد بصيغة (يبع) أو (يبيع) عن ابن عمر ثماني عشرة مرة وعن أبي هريرة ثماني مرات وعن عقبة بن عامر مرة واحدة.

وورد بصيغة (يسوم) أو (يساوم) أو (يستام) أو (يسم) عن أبي هريرة تسع مرات وعن أبي سعيد الخدري، وورد مرة عن أبي هريرة بلفظ (يزيد) بدلًا من (يبيع) أو (يسوم) وما شاكلهما.

وجلي أن هذا الاختلاف دليل على أن الرواة رووا الحديثين بالمعنى وليس باللفظ فإن تكن فيهما رواية باللفظ فالراجح أنها في حديث الخيار التي جاءت بصيغة (البيعان) لأنها أكثر ورودًا ولم يرو غيرها حكيم بن حزام ولا أبو برزة ولا عقبة بن عامر، واشترك مع هؤلاء غيرهم من رواه الحديث من الصحابة في هذه الصيغة وإن امتازوا عنهم بالصيغتين الأخريين، أما في الحديث الثاني فإن تكن فيه رواية باللفظ فهي تلك التي وردت بصيغة (يبيع) وما تصرف منها لأنها الأكثر ورودًا ولم يرد الحديث بصيغة المساومة وما تصرف منها إلا عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ومع أنه من الممكن أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كرر هذين الحديثين بلفظين مختلفين فإن اختلاف الصيغ في كلا اللفظين يجعل هذا الاحتمال بعيدًا والأقرب منه أن يكون اختلاف البنية في صيغة (البيعان) وصيغة (يبيع) من فعل الرواة وأن يكون أساسهما مسموعًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الترجيح يبلغ بنا إلى حاصل هام وهو أن صيغة (البيع) أو (التبايع) وكلمة (البيع) لا تنصرفان بالضرورة إلى ما تم فيه التعاقد فأصبح ملزمًا للجانبين بل هي قد تدل على المتراكنين وهي الدلالة التي قال بها مالك – رحمه الله – ونؤثرها على (المتساومين) لأن مجرد المساومة لا يدل بالضرورة على الرغبة في الشراء أو في البيع وإنما الذي يدل عليها هو المراكنة، وإنما الذي يصرف تينك الصيغتين إلى إحدى هاتين الدلالتين هو القرينة، لفظية كانت أم حالية (من السياق) .

وهذا التحرير لهذه المسألة الدقيقة ضروري لما سيصير إليه تمحيص الرأي في التعاقد بالوسائل الحديثة من حيث إن الصيغ اللفظية تتحكم في تكييف دلالاتها ما تنطوي عليه من دلالات ومعانٍ لها علاقة بالزمن.

وصيغة أخرى وردت في الحديث الأول (حديث الخيار) وكانت العلة الأساسية والوحيدة لجميع الاختلاف والاضطراب حول ما سمي بـ (خيار المجلس) هي صيغة (تفرقا) أو (افترقا) ، فمجموع ما ورد بصيغة (تفرقا) في طرق الحديث التي سقناها آنفًا واحد وستون مرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>