بسم الله الرحمن الرحيم ... وبعد: لا شك بأن هذه البحوث غنية ومفيدة وشاملة لكل ما يتعلق بالقبض، ولكن ينقصها شيء واحد وهو التطبيق الفعلي لبعض حالات القبض المعاصرة. فأما مجرد الإِحالة على العرف، والسادة، والدكتور محيي الدين القره داغي بالذات يتولى الإِجابة حول هذا الموضوع إذا أحلنا القضية على العرف، فعرف اليوم في المعاملات المصرفية معقد وكثير ومتنوع، فهل مجرد إحالة ابن القيم الموضوع على التعرف يُقِرُّ به عرفنا اليوم؟ عرف الماضين ليس كعرف الحاضرين، فهناك بالذات العقود التي نتعامل بها عند الصرافين، وهي أن نصرف مبلغًا من المال ثم نطالب الصراف بأن يحيل هذا المبلغ إلى أمريكا أو إنجلترا لأولادنا في الجامعات أو غيرها أو إلى بلد عربي، فهل مجرد أخذ الوصل من الصراف يعد قبضًا ينوب عن القبض المقرر شرعًا في الرويات؟ هذه مشكلة يُسأل عنها كثيرًا نريد أن نتعايش مع واقع الناس. فالحوالات، هل مجرد قبض هذه الأوراق يعد قبضًا؟ خصوصًا في الربويات التي تتطلب القبض الفعلي، وعندئذٍ نخرج من المأزق، مأزق الوقوع في الحكم والواقع لا يرحمنا، فمثل هذه الأمور جارية في الواقع، قضية الصرف مع وكالة بتحويل المبلغ، وعندئذٍ لا يتم لا صرف ولا غيره، لا يتم قبض صحيح في الواقع، ثم أيضا أداة القبض تغيرت، فهناك أمور كانت تباع بالكيل ثم أصبحت تباع بالوزن، فهل القبض المقرر والمعتبر شرعًا في عصرنا هو الأداة الحديثة؟ أغلب الأمور الآن في العالم العربي والإسلامي لم يعد فيها القبض كما كان في الماضي خصوصًا الحبوب وهي الكيل، إجراء الكيل كما نص الحديث النبوي، وإنما الذي يتم هو الوزن، يزن بالقنطار أو بالكيلو أو بالقبان أو بغير ذلك، إذن أداة القبض، أيضا، تغيرت، فمثل هذه القضايا الحديثة نحن لا نكتفي فيها بمجرد الإِحالة على العرف.