ثم بنى ابن تيمية المسألة على نهي النبي صلى الله عليه وسلم وسدا لذريعة الظلم والإفساد.
فقال: وأيضا فإذا اختلفت مقادير الفلوس: صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغارا فيصرفونها، وينقلونها إلى بلد آخر، ويخرجون صغارها فتفسد أموال الناس، وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس)) . فإذا كانت مستوية المقدار بسعر النحاس، ولم يشتر ولي الأمر النحاس والفلوس الكاسدة ليضربها فلوسا ويتجر بذلك: حصل بها المقصود من الثمنيه (١) .
وقد قرر جمهور الفقهاء العقوبة التعزيزية لمن يغير سكة المسلمين بأن يضرب على غير سكتهم، فيفتات على الحاكم بفعله، أو بغش العملة، ومن خالف في ذلك من الفقهاء نظر إلى عدم تحقق الضرر على المسلمين، فإن تحقق ضرر فلا خلاف من وجوب العقوبة، قال البلاذري:"حدثني الوليد بن صالح عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز أتى برجل يضرب على غير سكة السلطان فعاقبه وسجنه".
وقال:"حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن عبد الملك بن مروان أخذ رجلا يضرب على غير سكة المسلمين، فأراد قطع يده ثم ترك ذلك وعاقبه. قال المطلب: فرأيت من بالمدينة من شيوخنا حسنوا ذلك من فعله وحمدوه، قال الواقدي: وأصحابنا يرون فيمن نقش على خاتم الخلافة المبالغة في الأدب والشهرة وأن لا يروا عليه قطعا، وذلك رأي أبي حنيفة والثوري، وقال مالك وابن أبي ذئب، وأصحابهما: نكره قطع الدرهم إذا كانت على الوفاء، وننهى عنه لأنه من الفساد وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بقطعها إذا لم يضر ذلك بالإسلام وأهله".
وقال حدثني عمرو الناقد: قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبي عون عن ابن سيرين: أن مروان بن الحكم أخذ رجلا يقطع الدراهم فقطع يده. فبلغ ذلك زيد بن ثابت، فقال لقد عاقبه، قال إسماعيل يعني دراهم فارس.