للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المبحث الرابع: العربون:

عادة ما يقوم الآمر بالشراء بدفع عربون للسلعة الراغب في شرائها للبنك وقد أقر مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني المنعقد بالكويت في مارس ١٩٨٣ أخذ العربون في عمليات المرابحة وغيرها جائز، بشرط أن لا يحق للمصرف أن يستقطع من العربون المقدم إلا بمقدار الضرر الفعلي المتحقق عليه من جراء النكول.

وقد نصت بعض البنوك الإسلامية في طلب الوعد بالشراء على التزام المشتري بدفع نسبة من قيمة البضاعة عند التوقيع على هذا الوعد كعربون لضمان الجدية وتنفيذ التزاماته قبل الطرف الأول والقيام بتسديد باقي القيمة للطرف الأول (١) كما ورد نص آخر على دفع هذه النسبة كتأمين لضمان الجدية وتنفيذ التزامات الأمر بالشراء قبل البنك والقيام بتسديد باقي القيمة البيعية للطرف الأول. (٢)

ويلاحظ أن أيًّا من هذه البنوك لم تنص على مصير هذا العربون في حالة عدم إتمام التعاقد.

موقف القانون المدني من العربون:

يحدث أن يدفع أحد المتعاقدين للآخر عند إبرام العقد مالا يكون عادة من النقد يسمى بالعربون وأكثر ما يكون ذلك في عقد البيع وفي عقد الإيجار فيدفع المشتري للبائع إما لحفظ الحق لكل من المتعاقدين في العدول عن العقد بأن يدفع من يريد العدول مقدار هذا العربون للطرف الآخر، وإما للبت في العقد عن طريق البدء في تنفيذه بدفع العربون. (٣)

وقد انقسمت القوانين بين هاتين الدلالتين المتعارضتين، فالقوانين اللاتينية بوجه عام تأخذ بدلالة العدول. أما القوانين الجرمانية فتأخذ بدلالة البت. وكلتا الدلالتين قابلة لإثبات العكس. فإذا تبين من اتفاق المتعاقدين أو من الظروف أن المقصود بالعربون غير ما يؤخذ من دلالته المفروضة وجب الوقوف عند إرادة المتعاقدين.

أما في القانون المدني المصري لم يشتمل التقنين المدني السابق على نص في هذه المسألة فكان القضاء المصري يتردد بين الدلالتين ويأخذ في ذلك بقية المتعاقدين مفسرًا إياها في ظل العرف الجاري.

وحسم التقنين المدني المصري هذا التردد فأورد نصًّا يأخذ بدلالة العدول إذ تنص المادة ١٠٣ منه على أن:

١- دفع العربون في وقت إبرام العقد يفيد أن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه إلا إذا قضى الاتفاق بغير ذلك.

٢- وإذا عدل مَنْ دَفَعَ العربون فَقَدَهُ. وإذا عدل مَنْ قَبَضَهُ رَدَّ ضِعْفَهُ. هذا ولو لم يترتب على العدول أي ضرر. (٤)

ويتبين من هذا النص أنه إذا لم يتفق المتعاقدان صراحة أو ضمنًا على أن العربون إنما دفع لتأكيد البتات في التعاقد كان دفعه دليلًا على الاحتفاظ لكل من المتعاقدين بالحق في العدول. فإذا لم يعدل أحد منهما عن العقد في خلال المدة المتفق عليها، أصبح العقد باتًّا واعتبر دفع العربون تنفيذًا جزئيًّا له.

أما إذا عدل أحد المتعاقدين فإنه يجب عليه أن يدفع للآخر مقدار العربون فإذا كان هو الذي دفعه فإنه يفقده، وإذا كان هو الذي أخذه فإنه يرده ويرد معه مثله. (٥)

وغرامة العربون على هذا النحو لا تعتبر تعويضًا عن ضرر إذ هي لازمة حتى لو لم يترتب على العدول أي ضرر. ولكنها المقابل الذي اتفق عليه المتعاقدان لحق العدول.

مما سبق يتضح لنا أن مفهوم العربون في القانون المدني يختلف عن ما تسير عليه البنوك الإسلامية، حيث إنه بالنسبة للأخيرة يؤخذ لضمان الجدية من الآمر بالشراء وتنفيذ التزاماته قبل البنك. أما بالنسبة للقانون المدني المصري وغيره من القوانين العربية المطابقة له فإنه لا يعتبر تعويضا عن ضرر بل مقابل اتفق عليه المتعاقدان لحق العدول.


(١) بند ٦ من طلب الوعد بالشراء لبنك فيصل الإٍسلامي المصري.
(٢) بند ٥ من طلب وعد بالشراء لبنك قطر الإسلامي.
(٣) د. السنهوري –الوجيز- مرجع سابق، ص٩١
(٤) التقنينات العربية الأخرى المطابقة للقانون المدني المصري هي القانون المدني السوري المادة ١٠٤ والليبي المادة ١٠٣، أما القانون العراقي فنجد أن المادة ٩٢ منه تجعل من العربون دليل إثبات لا دليل جواز الرجوع.
(٥) وقد يتفق المتعاقدان على أن أحدهما دون الآخر هو الذي يكون له حق العدول فلا يجوز في هذه الحالة للآخر أن يعدل عن العقد، ولا يدفع قيمة العربون، بل يكون العقد باتًّا بالنسبة له. انظر. د. السنهوري – الوجيز، ص٩٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>