للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وما نحسب أحدًا يستطيع أن يزعم للإنسان أي نوع من أنواع الملكية للشمس والقمر والنجوم والبحر وجميع ما في السماوات وما في الأرض وإن طاب لبعض أن يتبجحوا بالقول: "إن الإنسان سيد هذا الكون " , وأغلب هؤلاء إن لم يكونوا جميعًا من الملاحدة أو ممن في إيمانهم دخل.

ولا جرم أن علاقة الإنسان بما تصل إليه يده من هذا الكون تنحصر في خلافة الله في التصرف والتصريف وتنضبط باعتبار المصلحة العامة حتى فيما يتراءى له كما لو كان منحصرًا في المصلحة الخاصة في جميع ممارساته , ذلك بأن الفرد لا يملك استقلالا كاملا بمعنى انفصالا مطلقا عن إخوانه كأفراد في المجتمع , ولا عن كيان المجتمع كهيكل متميز فيما قد يتراءى له أنه ذاتي صرف , إذ إن أدنى إغفال - فضلًا عن تجاوز متعمد - لاعتبار مقتضيات المصلحة العامة لا مناص من أن يحدث خللًا فيها بما ينطلق منه من الاعتماد على متطلبات الأنانية الصرفة , وهو خلل كثيرًا ما يتحول إلى فساد هادم , آية ذلك أن الغني حين يتجاهل حقوق الآخرين فيما بين يديه من مال فينفقه مبذرًا مسرفًا , لا محيص من أن ينعكس تصرفه المنحرف على مصالح غيره انعكاسًا ماديا واجتماعيًا وخلقيًا , وذلك بعض ما يمكن استلهامه من قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (١) .

ومن التنديد المتكرر في آيات شتى من القرآن الكريم بالترف والمترفين , بل إن القرآن الكريم أوضح عاقبة التبذير بجلاء في نص لا يقبل التأويل , وهو قول الله الحكيم الخبير: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (٢) وأخرى ما جاء به الشرع من وجوب الحجر على السفيه إذا صار إليه مال بإرث أو هبة من مثل قوله سبحانه وتعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} (٣) , بل إن الشرع الإسلامي جاء بحرمان المعتدي على حقوق غيره حرمانًا كاملًا مما كان مخولًا له اختصاص التصرف فيه , وذلك عقابًا له على الاعتداء ودرءًا لانتشار الطبيعة العدوانية والتصرفات التي لا تراعي حقوق الآخرين.

ولعل أبرز مثل وأصرحه لهذا الإجراء ما وقع لسمرة بن جندب.


(١) الآية (٢٧) سورة الإسراء.
(٢) الآية: (١٦) سورة الإسراء.
(٣) الآية رقم (٥) سورة النساء.

<<  <  ج: ص:  >  >>