للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على حين أقره الآخرون على اختلاف بينهم في مدى وطرائق الإقرار , بيد أنهم - حسب ما انتهى إليه علمنا - اتففوا على اعتبار إقراره منطلقًا من قاعدة " المصلحة المرسلة " ومضى كل فريق يتسقط الحجج , ويلتقط النصوص تأكيدًا لما ذهب إليه من اعتبار "المصلحة المرسلة " هي القاعدة الوحيدة المحكمة في هذا الشأن.

ونحن نتفق مع هؤلاء في أن (المصلحة) هي منطلق الحكم في هذا المجال , بيد أننا نختلف معهم في طبيعة هذه المصلحة , فهي عندنا ليست " المصلحة المرسلة " وإنما هي " المصلحة العامة " التي هي مناط التشريع الإسلامي ومن أبرز أنواع

المناط في جميع مجالاته وخاصة المعاملات.

وشتان بين اعتبار "المصلحة المرسلة " واعتبار "المصلحة العامة " قاعدة في الحكم , إذ إن اعتبار "المصلحة المرسلة" يعني أن الحكم مجرد اجتهاد , والحكم الاجتهادي هو عندنا أضعف الأحكام , حتى وإن اعتمد على القياس الصحيح السليم , فكيف إذا اعتمد على مجرد اعتبار "المصلحة المرسلة ".

أما اعتبار المصلحة العامة هي القاعدة , بصفتها مناط التشريع , فمرده ليس إلى "الاجتهاد المجرد" , وإنما إلى الفهم القائم على الاستقراء والاستقصاء للنصوص والآثار , ثم اجتلائها وتقييمها في نطاق ظروفها وملابساتها ودون إغفال ما قد يتراءى للبعض بين بعض النصوص والآثار من تغاير أو تناقض أو اضطراب أو ضعف , ودون إغفال أيضًا لتمحيص هذا الذي يتراءى لهؤلاء تمحيصًا ينأى عن التقليد , ولا يعتمد إلا على اعتبار الدلالات الدقيقة والأسباب المجردة عند تقدير كل عنصر من تلك العناصر (التعارض , والتغاير , والتناقض , والاضطراب والضعف) .

وواضح وضوحًا لا مجال للمراء فيه أن الحكم الذي يثبت بنص من الكتاب أو السنة - فكيف إذا كان بنص منهما معًا - باعتباره من مشمولات دلالته أو مناطه أو هما معًا , أقوى وأرسخ وألزم بمراحل بعيدة من ذلك الذي يثبت أو يراد إثباته بمجرد اجتهاد منطلق من تقدير شخصي مهما استفرغ فيه من جهد لقاعدة " المصالح المرسلة " ومدى التطابق بينها وبين الأمر الذي يراد الحكم فيه اعتمادًا عليها.

<<  <  ج: ص:  >  >>