وقال الآمدي (١) : "وهو بصدد إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة".
وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد، أما أنها مشروعة لمقاصد وحكم فيدل عليه الإجماع والمعقول. أما الإجماع فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجود، كما قالت المعتزلة، أو بحكم الاتفاق والواقع من غير وجوب، كقول أصحابنا: وأما المعقول فهو أن الله تعالى حكيم في صنعه، فرعاية الغرض في صنعه إما أن يكون واجبًا أو لا يكون واجبًا. فإن كان واجبًا فلم يخل من المقصود، وإن لم يكن واجبًا ففعله للمقصود يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود، فكان المقصود لازمًا من فعله ظنا. فإذا كان المقصود لازمًا في صنعه، فالأحكام من صنعه، فكانت لغرض ومقصود. والغرض إما أن يكون عائدًا إلى الله تعالى أو إلى العباد، ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر والانتفاع، ولأنه على خلاف الإجماع، فلم يبق سوى الثاني. وأيضًا فإن الأحكام مما جاء به الرسول، فكانت رحمة للعالمين، لقوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(٢) فلو دخلت الأحكام من حكمة عائدة إلى العالمين ما كانت رحمة، بل نقمة، لكون التكليف بها محض تعب ونصب، وأيضًا قوله تعالى:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}(٣) فلو كان شرع الأحكام في حق العباد لا لحكمة، لكانت نقمة لا رحمة، لما سبق، وأيضًا قوله عليه الصلاة والسلام:((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)) (٤) ، فلو كان التكليف بالأحكام لا حكمة عائدة إلى العباد، لكان شرعها ضررًا محضًا، وكان ذلك بسبب الإسلام وهو خلاف النص.
وإذا أثبت أن الأحكام إنما شرعت لمصالح العباد، فإذا رأينا حكما مشروعًا مستلتزمًا لأمر مصلحي، فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو الغرض من شرع الحكم أو ما لم يظهر لنا، لا يمكن أن يكون الغرض، ما لم يظهر لنا، وإلا كان شرع الحكم تعبدًا، وهو خلاف الأصل، لما سبق تقريره، فلم يبق إلا أن يكون مشروعًا لما ظهر، فإذا كان ذلك مظنونًا، فيجب العمل به؛ لأن الظن واجب الاتباع في الشرع ويدل على ذلك إجماع الصحابة على العمل بالظن ووجوب اتباعه في الأحكام الشرعية.
(١) الإحكام في أصول الأحكام. ج: ٣. ص: ٤١١ و٤١٣. (٢) الآية: (١٠٧) سورة الأنبياء. (٣) الآية: (١٥٦) سورة الأعراف. (٤) انظر تخريجه في الفصل: (١٩) .