من أجل ذلك كان الإنفاق في سبيل الله شرعًا أساسيًا، وضابطًا حاسمًا وجوهريًا لتصرف الإنسان وتصريفه فيما يسرَّ الله له من مال، وكان كل من التبذير والاكتناز جريمتين يترتب عليهما عقاب الله بمن يقترفهما أو اقترف إحداهما من الناس أفرادًا أو جماعات، بيد أن الاكتناز أشد عقوبة؛ لأنه أشد جناية على المتعايشين من أبناء المجتمع، فهو لا يحرمهم فحسب من المال المكتنز وفوائده بأن يسلبهم حق الانتفاع به، وإنما يحرمهم أيضًا وسيلة تعينهم على المزيد من العمل الإعماري الذي تمتد جدواه إلى الأجيال المقبلة. يقول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} (١)
ولكي يتجلى المعنى الشرعي لكل من (الإنفاق) و (الاكتناز) نورد ما ورد بشأن كل منهما في مصادر اللغة ومصادر التفسير.
فمادة نفق وهي ثلاثي (أنفق) مدارها (الرواج) ولا يكاد يخرج استعمال (النفاق) عما يتصل (بالرواج) كما أن (الإنفاق) ومشتقاته لا يكاد يخرج عن معنى (الترويج) وما يتصل به.
يقول ابن منظور (٢) ونفق البيع نفاقًا: راج، ونفقت السلعة تنفق نفاقًا، بالفتح: غلت ورغب فيها، وأنفقها هو ونفَّقها.
وفي الحديث:((المنفِّق سلعته بالحلف الكاذب)) ، المنفق بالتشديد: من النفاق وهو ضد الكساد، ومنه الحديث:((اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة)) ، أي هي مَظِنَّةٌ لنفاقها وموضع له.
وفي الحديث عن ابن عباس:((لا ينفق بعضكم بعضًا)) أي لا يقصد أن ينفق سلعته على جهة النجش، فإنه بزيادته فيها يرغب السامع فيكون قوله سببًا لابتياعها ومنفقًا لها.
وقول ابن الأثير (٣) وفيه - أي الحديث -: ((المنفق سلعته بالحلف الكاذب)) المنفق بالتشديد من النفاق، وهو ضد الكساد. ويقال: نفقت السلعة فهي نافقة، وأنفقتها ونفقتها، إذا جعلتها نافقة.
وفي الحديث:((اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة)) ، أي هي مظنَّة لنفاقها وموضع له.