للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتصرف الإنسان وتصريفه فيما خول من حقوق المنفعة ووسائل الانتفاع طبقًا لهذا المعلم الواضح ينضبط في إطار لا يكاد يباح له تجاوزه من اعتبار المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي حتى فيما يتصل بمصلحته الذاتية الخاصة أو بمصلحة من يعوله وترجع إليه حمايته ورعايته، فقد جاء في القرآن الكريم في وصف عباد الرحمن {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (١) في آيات غيرها أشرنا إلى بعضها في البند السابق، ويتضح من هذا أن من يخرج في تصرفه أو تصريفه عن هذا الإطار يفقد

حقه فيما خول له من حقوق المنفعة ووسائل الانتفاع.

أما المعلم الثاني الذي شرعه الله للإنسان وتصريفه، وقد يكون الوجه للمعلم الأول، فهو خلافة الله في عمارة الأرض، فالعمل الذي يتجه به الإنسان إلى الكسب والاستغلال والاستثمار يجب أن يتم في نطاق إعمار الأرض بأن يكون عملًا مستمر الجدوى موصلًا بعمل الآخرين تتكون منه ومن غيره الأسباب المحققة لاستمرار عمارة الأرض ونمائها. يقول الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام مخاطبًا قومه ثمود: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (٢) كما سبق أن أوضحنا في البند الثاني ومناط اعتبار إعمار الأرض مَعلَمًا لتصرف الإنسان وتصريفه كما أراده الله وشرعه هو حفظ أسباب الطمأنينة والانتفاع والحياة الكريمة العادلة للأجيال الإنسانية المتعاقبة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وهذا يعني أن وحدة المجتمع الإسلامي خاصة ووحدة الإنسان عامة، ووحدة المنفعة والانتفاع المخولين للإنسان لا سيما المسلم لا تتعددان بتعدد الأجيال بل تستمران ما كتب الله لهذه الدنيا أن تستمر وأن حقوق الأجيال المتتالية مرتبط بعضها ببعض، فليس لأي جيل أن يزحف بحقوق الجيل الذي بعده بأن يُصرّ في صيانة وإنماء الإرث الذي صار إليه من الجيل الذي قبله أو أن يعمد إلى الاستئثار بما ورث من منافع وخيرات مبذرًا مسرفًا أو متكاسلًا قانعًا بما أنتج الأولون غير مكترث بما عليه من تبعة لمن يأتي بعد من الأبناء والأحفاد.


(١) الفرقان: الآية رقم ٦٧.
(٢) هود: الآية رقم ٦١.

<<  <  ج: ص:  >  >>