للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقبل أن نستأنف متابعة آراء أئمة التفسير من السلف والمحدثين في تفسير قوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} الآية. وبعض آيات على شاكلتها، ننقل عن ابن حزم (١) كلامًا شريفًا أوجز فيه - إيجازًا محيطًا - آراء ومواقف الصحابة والتابعين من الحقوق الواجبة في المال غير الزكاة ومحاجة أنكروها , قال رحمه الله: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم , ويجبرهم السلطان على ذلك - تأمل جيدًا قوله: ويجبرهم السلطان على ذلك - إن لم تقم الزكوات بضم ولا في سائر أموال المسلمين بهم - هذه العبارة غير واضحة - فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك , وبه سكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة.

برهان ذلك قوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} (٢) وقال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (٣)

فأوجب تعالى حق المساكين وابن السبيل وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين وذي القربى والمساكين والجار وما ملكت اليمين , والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا , ومنعه إساءة ولا شك.

وقال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} (٤) فقارن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة في غاية الصحة أنه قال: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) قال عبد الرزاق (المصنف ج: ١١. ص ٢٩٨. ح: ٢٠٥٨٩) : أخبرنا معمر , عن الزهري قال: حدثني أبو سلمة , عن أبي هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي والأقرع بن حابس التميمي جالس , فقال الأقرع: يا رسول الله , إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم إنسانًا قط. قال: فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال: ((إن من لا يرحم لا يرحم)) . وقال أحمد (ج: ٢. ص: ٢٢٨) : أخبرنا هشيم عن الزهري , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فرآه يقبل حسنًا أو حسينًا , فقال له: لا تقبله يا رسول الله , لقد ولد لي عشرة ما قبلت أحدًا منهم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من لا يرحم لا يرحم)) .


(١) المحلى. ج: ٦. ص: ١٥٦ وما بعدها المسألة: ٥٢٧.
(٢) الآية رقم: (٢٦) من سورة الإسراء، والآية رقم: (٣٨) من سورة الروم (فآتي) .
(٣) الآية رقم: (٣٦) من سورة النساء.
(٤) الآية رقم: (٤٣) و (٤٤) من سورة المدثر.

<<  <  ج: ص:  >  >>