وقبل أن نستأنف متابعة آراء أئمة التفسير من السلف والمحدثين في تفسير قوله تعالى:{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} الآية. وبعض آيات على شاكلتها، ننقل عن ابن حزم (١) كلامًا شريفًا أوجز فيه - إيجازًا محيطًا - آراء ومواقف الصحابة والتابعين من الحقوق الواجبة في المال غير الزكاة ومحاجة أنكروها , قال رحمه الله: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم , ويجبرهم السلطان على ذلك - تأمل جيدًا قوله: ويجبرهم السلطان على ذلك - إن لم تقم الزكوات بضم ولا في سائر أموال المسلمين بهم - هذه العبارة غير واضحة - فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك , وبه سكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة.
فأوجب تعالى حق المساكين وابن السبيل وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين وذي القربى والمساكين والجار وما ملكت اليمين , والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا , ومنعه إساءة ولا شك.
وقال تعالى:{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}(٤) فقارن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة في غاية الصحة أنه قال:((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) قال عبد الرزاق (المصنف ج: ١١. ص ٢٩٨. ح: ٢٠٥٨٩) : أخبرنا معمر , عن الزهري قال: حدثني أبو سلمة , عن أبي هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي والأقرع بن حابس التميمي جالس , فقال الأقرع: يا رسول الله , إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم إنسانًا قط. قال: فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال:((إن من لا يرحم لا يرحم)) . وقال أحمد (ج: ٢. ص: ٢٢٨) : أخبرنا هشيم عن الزهري , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فرآه يقبل حسنًا أو حسينًا , فقال له: لا تقبله يا رسول الله , لقد ولد لي عشرة ما قبلت أحدًا منهم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إن من لا يرحم لا يرحم)) .
(١) المحلى. ج: ٦. ص: ١٥٦ وما بعدها المسألة: ٥٢٧. (٢) الآية رقم: (٢٦) من سورة الإسراء، والآية رقم: (٣٨) من سورة الروم (فآتي) . (٣) الآية رقم: (٣٦) من سورة النساء. (٤) الآية رقم: (٤٣) و (٤٤) من سورة المدثر.