للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام ببيروت. سمعت الجعفر بن أبان , يقول: سمعت ابن نمير , يقول: سيف الضبي تميمي , كان جمع يقول: حدثني رجل من بني تميم , وكان سيف يضع الحديث , وكان قد اتهم بالزندقة. ونقل ابن حجر عن الحاكم قوله: اتهم بالزندقة , وهو في الرواية ساقط , وذكره الذهبي في (الكشاف. ج: ١. ص: ٣٣٣. ترجمة: ٢٢٤٥) , ضعفه ابن معين وغيره , ولكنه قال في المغني (ج: ١. ص: ٢٩٢. ترجمة: ٢٧٦) : متروك باتفاق , ونقل عن ابن حبان اتهامه بالزندقة وبرواية الموضوعات , ثم قال: أدرك التابعين , وقد اتهم. قلت: لا أدري من أين جاءه زعم الاتفاق على تركه، فإن صح الاتفاق فعلى ضعفه , وليس على تركه , وقد ذكروا جميعًا أن الترمذي روى عنه. وقال في الميزان (ج: ٢. ص: ٢٥٥. ترجمة: ٣٦٣٧) : هو كالواقدي يروي عن هشام بن عروة وعبيد الله بن عمر وجابر الجعفي وخلق كثير من المجهولين , كان إخباريًا عارفًا , روى عنه جبارة بن المغلس وأبو معمر القطيعي والنضر بن حماد العتكي وجماعة. ثم ساق روايات من ضعفوه أو اتهموه أو تركوه , ونقل أحاديث مما أسند إليه ابن عدي , ثم قال: مات زمن الرشيد. قلت: هذه محصلة كلامهم عنه , وما نعرف من اشتد عليه مثل أبي حاتم وابن حبان , وهذا أشد , لكن روى عنه الترمذي , وإن أنكر حديثًا من مروياته وأسند إليه الطبري في تاريخه نحوا من ٢٦٩ مرة ومثل الطبري في علمه وتقواه وتحريه وبصره بالحديث وتوقيره له وتثبته فيه , لا يعقل أن يسند مثل هذا العدد من الروايات المتصلة بتاريخ الإسلام وجانب منها متصل بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين إلى راو ممن يصح أن يقال فيه: متروك، أو يتهم بالزندقة أو الوضع. ويتراءى لنا أنه أصيب به الواقدي وابن الكلبي وغيرهما من الإخباريين , فبالاستقراء نكاد نجزم أن نقدة الحديث كان رأيهم سيئا في الإخباريين غالبًا , وقد تكون نزعة الجمع والحشد تهيمن على الإخباريين , فتمنعهم من شدة التحري والتثبت فيما ينقلون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , بيد أننا نشعر بالحرج الشديد من التهم التي يلصقونها بهم لمجرد أنهم إخباريون , وإذا اتهمنا سيفًا بالوضع أو وصفنا حديثه بالترك , فإن نتيجة ذلك ستجعلنا نشك في جانب كبير , ولعله الأكبر من روايات الطبري في تاريخه , وإذن فستضطرب معارفنا من تاريخ الإسلام في عهوده الأول , وهي عهود التشريع وقد تنهار , والذي يتراءى لنا أن سيفًا كانت له نزعة سياسية , ولعله كان عباسي النزعة , ولعله أسهم في الدعوة العباسية , فكان خصوم نزعته يحاربونه - كما هو الشأن في الصراعات السياسية - غالبًا – بمختلف وسائل الحرب وأيسرها وأفعلها الاتهام في الدين والأمانة , لذلك فنحن نستقبل كلامهم في سيف أمثاله من الإخباريين بكثير من التحفظ والتحرج.

قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي , قال: حدثنا أبي , قال: حدثنا أبو نضرة , عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان , أن وفد أهل مصر قد أقبلوا , قال: فاستقبلهم , وكان في قرية له خارجة عن المدينة - أو كما قال - فلما سمعوا به , أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه , قال: وكره أن يقدموا عليه بالمدينة أو نحو من ذلك , قال: فأتوه , فقالوا له: ادع بالمصحف , قال: فدعى بالمصحف , فقالوا له: افتح التاسعة (١) قال: وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة - قال: فقرأها حتى أتى على هذه الآية: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} قال: قالوا له: قف , فقالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى , الله أذن لك أم على الله تفتري؟ قال: فقال: امضه , نزلت في كذا وكذا , قال: وأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة , فلما وليت زادت إبل الصدقة , فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة، إلى آخر القصة.

وذكر ابن كثير (٢) ما يشبه هذه القصة، لكن نسب القول إلى علي لا إلى عثمان، فكان مما جاء في سياق قوله: فانطلق علي بن أبي طالب إليهم – يعني إلى المتحزبين من الأنصار على عثمان - وهم بالجحفة , وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم , فرجعوا على أنفسهم بالملامة , وقالوا: هذا الذي تحاربون الأمر بسببه - ويظهر أن أصحاب هذه المقولة من المصريين إذ كان هوى المصريين مع علي أيام الفتنة على عثمان - وتحتجون عليه به، ويقال: إنه ناظرهم على عثمان , وسألهم ماذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمى الحمى. إلى آخر ما نقل من مقولاتهم.

ثم قال: فأجاب علي عن ذلك، أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن , ولم يحمه لإبله ولا لنفسه , وقد حماه عمر من قبله. إلى آخر القصة.


(١) التاسعة هذه الرواية أدق عدد من روايتي البيهقي والحاكم الآنفتين , فسورة يونس هي التاسعة إذا اعتبرنا سورة الأنفال والتوبة سورة واحدة , كما كان البعض يعتبرونها في ذلك العهد , وليست السابعة، على أي اعتبار , لأنهم اعتمدوا في ترقيمها على ترتيب المصحف العثماني , فقالوا له: افتح التاسعة , ويظهر أن الوهم كان من أحد الرواة الذين اشترك في الإسناد إليهم الحاكم والبيهقي فليتأمل.
(٢) البداية والنهاية. ج: ٧ ح: ١٧١.

<<  <  ج: ص:  >  >>