ومن عجائب أقضية علي – رضي الله عنه – بالأمارات، ما روي عن ابن عباس (١) :
وردت على عمر بن الخطاب واردة قام منها وقعد وتغير وتربد (٢) ، وجمع لها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعرضها عليهم، وقال: أشيروا عليّ، فقالوا جميعاً: يا أمير المؤمنين، أنت المفزع (٣) وأنت المنزع (٤) ، فغضب عمر، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} (٥) فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما عندنا مما تسأل عنه شيء، فقال: أما والله إني لأعرف أبا بجدتها (٦) ، وابن بجدتها، وأين مفزعها، وأين منزعها، قالوا: كأنك تعني ابن أبي طالب، قال عمر: لله هو، وهل طفحت (٧) حرة بمثله وأبرعته، انهضوا بنا إليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أتصير إليه؟ يأتيك، فقال: هيهات، هناك شجنة (٨) من بني هاشم، وشجنة من الرسول، وأثرة من علم، يؤتى لها ولا يأتي، (في بيته يؤتى الحكم)(٩) ، فاعطفوا نحوه، فألفوه في حائط له، وهو يقرأ:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى}(١٠) ويرددها ويبكي، فقال عمر لشريح: حدث أبا حسن بالذي حدثتنا به، فقال شريح: كنت في مجلس الحكم، فأتى هذا الرجل، فذكر أن رجلا أودعه امرأتين حرة مهيرة (١١) وأم ولد، فقال له: أنفق عليهما حتى أقدم، فلما كان في هذه الليلة، وضعتا جميعا إحداهما ابنا، والأخرى بنتا، وكلتاهما تدعي الابن وتنتفي من البنت من أجل الميراث، فقال له: بم قضيت بينهما؟ فقال شريح: لو كان عندي ما أقضي به بينهما لم آتكم بهما، فأخذ علي تبنة من الأرض فرفعها، فقال: إن القضاء في هذا أيسر من هذه، ثم دعا بقدح، فقال لإحدى المرأتين: احلبي، فحلبت فوزنه، ثم قال للأخرى: احلبي، فحلبت فوزنه، فوجده على النصف من لبن الأولى، قال لها: خذي أنت ابنتك، وقال للأخرى: خذي أنت ابنك، ثم قال لشريح: أما علمت أن لبن الجارية على النصف من لبن الغلام، وأن ميراثها نصف ميراثه، وأن عقلها نصف عقله، وأن شهادتها نصف شهادته، وأن ديتها نصف ديته، وهي على النصف في كل شيء، فأعجب به عمر إعجابا شديدا، ثم قال: أبا حسن، لا أبقاني الله لشدة لست لها، ولا في بلد لست فيه.
(١) الهندي- كنز العمال، ج: ٥، ص: ٨٣٠- ٨٣٢. (٢) قال الأزهري- تهذيب اللغة، ج: ١٤، ص: ١٠٩- نقلا عن الليث: إذا غضب الإنسان تربد وجهه، كأنه يسود منه مواضع. (٣) قال الأزهري- المصدر السابق، ج: ٢، ص: ١٤٦: وفلان لنا مفزع، وامرأة لنا مفزع، معناه: إذا دهمنا أمر فزعنا إليه، أي لجأنا إليه واستغثنا به. (٤) العبارة مشهورة متدوالة، لكن لم أجدها بلفظها في مصادر اللغة الموثقة، وأحسب كلمة المنزع هذه مشتقة من قولهم: صار أمرهم إلى النزعة- بفتح النون المشددة، تليها زاي مفتوحة فعين مفتوحة، فتاء، إذا قام بإصلاحه أهل الأناة وهو جمع نازع. انظر الفيروز آبادي- بصائر ذوي التمييز، ج: ٥، ص: ٣٦-. وقال الزمخشري- أساس البلاغة، ج:٢، ص: ٤٣٥: وعاد الأمر إلى النزعة، إذا رجع الحق إلى أهله، كقولهم: أعط القوس باريها. (٥) الأحزاب: ٧٠- ٧١. (٦) قال الجوهري- الصحاح، ج: ٢، ص: ٤٤٣: وقولهم: هو عالم ببجدة أمرك، وبجدة أمرك، وبجدة أمرك، بضم الباء والجيم، أي بدخله أمرك وباطنه، ويقال: عنده بجدة ذلك، بالفتح، أي علم ذلك، ومنه قيل للعالم بشيء المتقن: هو ابن بجدتها. (٧) قال الزمخشري- أساس البلاغة، ج:٢، ص: ٧٣: وطفحت فلانة بالأولاد فاضت وأكثرت. قال النابغة: لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم طفحت عليك بناتق مذكار أي نفسها ناتق، وهي التي تدارك الأولاد من نتق السقاء، يقال: أنتق سقاءك، أنفض ما فيه. (٨) قال الزمخشري- أساس البلاغة، ج: ١، ص: ٤٧٩: وبينهما شجنة، رحم، والرحم شجنة من الله، والشجنة، الشعبة. (٩) مثل مشهور متدوال بين الألسنة. (١٠) القيامة: ٣٦. (١١) قال الجوهري- الصحاح، ج:٢، ص: ٨٢١: المهيرة: الحرة.