بقيت نكتة أخرى نحرص على إبرازها، وهي تفسير الحسن عليه السلام للآية الكريمة من سورة المائدة، تفسيرا أغفله مفسرو المأثور، وبعيد ألا يكون قد بلغهم، فقد اضطربوا في تفسيرها اضطرابا عجيبا، جرد الآية مما قد يستنبط منها من أحكام لإغناء التشريع، وحماية المجتمع الإسلامي، وصيانة أرواح أبنائه، وهي أن قوله سبحانه وتعالى:{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} بعد قوله: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} إنما هو إتمام لصورة كاملة بنظر الشرع إلى المجتمع الإسلامي، بل والإنساني، فقاتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض يجب قتله لأنه خطر على المجتمع الإسلامي والإنساني والإنساني كله، فهو لذلك وإن قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا، لأن جرأته علي حياة نفس، تعني جرأته علي الحياة قاطبة، وأنه كما اعتدى على نفس قد يعتدي على أنفس شتى، بل لو استطاع لاعتدى على الناس جميعا، لأن النفس الشريرة لا ينحصر شرها في حد ولا في ظرف، فالشر حياتها، به تحيى وبه تتحرك، وبه تتصرف.
يقابل ذلك أن النفس الخيرة التي تعمل على إنقاذ نفس أشرفت على الهلاك، يكون عملها موازنا ومماثلا لإحياء المجتمع الإسلامي والإنساني كافة، فكما عملت على إنقاذ نفس مشرفة على الهلاك، انطلاقا من فطرتها الخيرة، ستعمل- ما بقيت على قيد الحياة- على إكرام حياة المجتمع الإسلامي والإنساني كافة، بالرعاية والصيانة والحماية والافتداء، والله أعلم بأسرار كتابه ومقاصد شريعته.