للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت:

في هذا الحديث من قواعد الحكم ثلاث:

١- اعتبار وجود شخص وحده قريب من موقع الجريمة، قرينة على أنه مقترفها.

٢- اعتبار استغاثة من وقعت عليه الجريمة دليلا على أنه أكره عليها.

٣- اعتبار الإقرار الاختياري ممن لم يكن مشتبها فيه بأنه هو الجاني، رغبة منه في إظهار الحق وتبرئة من كان الاتهام متجها إليه بقرينة، قرينة على حسن توبته، وعلى أنه قد تاب قبل القدرة عليه، وهو لذلك معفو عنه، مرفوع عنه العقاب، غير متابع بحق الله ولا بحق العباد.

وشبيه بهذا الحديث، ولعله أصل له، ما ذكره ابن القيم (١) من قضاء الحسن عليه السلام بين يدي أبيه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- ويأمر منه، إذ قال:

ومن قضايا علي-رضي الله عنه- أنه أتي برجل وجد في خربه بيده سكين متلطخ بدم، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فسأله، فقال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فاقتلوه، فلما ذهبوا به، أقبل رجل مسرعا، فقال: يا قوم، لا تعجلوا، ردوه إلى علي، فردوه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، ما هذا صاحبه، أنا قتلته. فقال علي للأول: ما حملك على أن قلت: أنا قتلته، ولم تقتله، قال: يا أمير المؤمنين، وما أستطيع أن أصنع؟ وقد وقف العسس على الرجل يتشحط في دمه وأنا واقف، وفي يدي سكين، وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة، فخفت أن لا يقبل مني، وأن يكون قسامة، فاعترفت بما لم أصنع، واحتسبت نفسي عند الله، فقال علي: بئس ما صنعت، فكيف كان حديثك؟ قال: إني رجل قصاب، خرجت إلى حانوتي في الغلس، فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أصلحها والسكين في يدي، أخذني البول، فأتيت خربة كانت بقربي، فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه، فراعني أمره، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي، فأخذوني، فقال الناس: هذا قتل هذا، ما له قاتل سواه، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه، فقال علي للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال: أغواني إبليس، فقتلت الرجل طمعا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به، فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق، فقال للحسن: ما الحكم في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (٢) فخلى علي عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال.


(١) الطرق الحكمية، ص: ٧٦- ٧٧.
(٢) المائدة: ٣٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>