إن حديث المواقيت المكانية الذي روته كتب السنة الصحيحة، وهو النص الأصلي الوحيد في الموضوع- وأؤكد أيضًا على كلمة الوحيد في الموضوع - لا يمكن أن يعتبر شاملاً للطريق الجوي اليوم، ولو مرت الطائرة القادمة بقاصدي الحج أو العمرة من فوق أحد المواقيت الأرضية، وبالتالي لا يمكن فيه تطبيق حكم المحاذاة لأحد المواقيت تلك المحاذاة التي ألحقها سيدنا عمر رضي الله عنه بالمرور بالميقات، وذلك لما يلي:
أن حديث المواقيت محمول على الطرق المعروفة المألوفة في ذلك الوقت، وهي الطرق البرية التي يمكن أن يسلكها القادمون لحج أو عمرة من أطراف الجزيرة العربية التي مد عليها الإسلام رواقه. وهو في الوقت نفسه لم يحدد ميقاتًا من جهة الغرب، كما سبق أن أوضحته وبينت سببه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حين حدد هذه المواقيت للإحرام قد خصها نصًا وصراحة بمن يمر بها فعلاً، وذلك حين قال عليه السلام:((هن مواقيت لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) .
وهذا الإتيان لا يمكن أن يتصوره أي سامع إلا أنه المرور في الأرض، وإن كان أهل الميقات المقيمين حوله قد وجب عليهم الإحرام منه فمن أتى على هذا الميقات من خارجه، وكان طريقًا له، أصبح هو وأهل ذلك الميقات سواء؛ لأنه قد أصبح بينهم كواحد منهم، فلا يعقل أن يجب عليهم الإحرام من هذا الميقات ولا يجب عليه. وهذا المعنى لا يتحقق إلا فيمن مر بالميقات نفسه أرضًا؛ لأن المرور فوق الميقات جوًا كما تمر الطيور لم يكن في بال أحد من الصحابة أهل اللسان الذين خوطبوا به ولا في حسبانه ولا يمكن أن يتصوره حتى يفهم أنه داخل في هذا التحديد.