وأما أصحاب القول الثالث فلم يذكر ابن رشد لهم دليلاً فيما يبدو لي على حدة، ويصلح لهم الثالث من أدلة أصحاب القول الأول على ما يظهر من كلام ابن رشد في بدايته (١) .
والقول الأول والذي به يقول الإمام الشافعي يبدو أنه أصح الأقوال الثلاثة؛ وذلك لأن ما تمسك به أصحاب القول الثاني لم يثبت ثبوت أدلة الشافعي والتي سقنا البعض منها. وبيان ذلك أن أصحاب القول الثاني تمسكوا بعموم قوله تعالى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}[البقرة: ١٩٦] ، وليس بالتمسك القوي؛ لاحتمال أن الأمر:" أتموا " يراد به تحصيل الفعل من أول الأمر، وذلك من سنن العرب في كلامهم، كقولهم:" وسع فم الركية " أي أوجدها كذلك من أول الأمر، وكقولك: أسرع السير فادع لها فلانا، تخاطب به من لم يشرع في السير بعد، وإنما تأمره بإحداث سير سريع من بادئ الأمر، وكقول القرآن جريا على هذا الأسلوب:{وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}[البقرة: ١٥٠] ، وهو ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز (٢) فمدلول الآية: أوجدوهما من أول الأمر تامين.
وكذلك رُدَّ على أصحاب القول الثاني ما تمسكوا به من الاحتجاج بأية {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}[البقرة: ١٨٩] ، وبأن المراد منها جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك، فصح أن يحرم في جميعها بالحج، وقالوا لهم: إن هذه الآية عامة، وآية {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}[البقرة: ١٩٧] خاصة، والخاص مقدم على العام، وقيل أيضًا: إن آية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}[البقرة: ١٨٩] مجملة، والثانية وهي آية:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}[البقرة: ١٩٧] مفسرة ومبينة لها، وهو بيان مؤخر عن المبين، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة واقع غير مرة (٣) .
(١) ابن رشد: ١/٣١٥. (٢) الأستاذ الإمام محمد طاهر ابن عاشور رحمه الله. التحرير والتنوير: ٢/٢١٧ في غير السياق الذي استثمرنا كلامه فيه. (٣) الخازن. لباب التأويل في معاني التنزيل: ١/١٢٦.