فإذن قضية عقد الصيانة تحتاج إلى تكييف بحسب العرف الذي يحتاج إليه الناس وليس بحسب معايير الضرورات المعروفة شرعا، فلا ينطبق على هذا العقد معيار الضرورة وهي أنه يترتب على عدم الاستجابة لها خطر أو الوقوع في الموت أو ما شابه ذلك.
فإذن العقد هذا ككل العقود المشروعة في الإسلام هي عقود أقرتها ودفعت إليها الحاجة، ومن هنا أقر الإسلام الحنيف كثيرا من هذه العقود التي كانت منسجمة مع الحياة السابقة ما قبل القرن العشرين.
وإن كان التكييف أمرا لابد منه فأنا مع الشيخ الضرير في كون عقد الصيانة يبدأ الانطلاق من كونه عقد مقاولة وإن لم يكن هناك تقديم لآلات وإنما ينحصر العمل بتقديم الخدمات، وأما إذا كان هناك تقديم الآلات وقطع غيار، فهذا مما ينطبق عليه عقد الاستصناع. حينئذ لا مجال للقول إطلاقا إن عقد الصيانة للتأمين، واستغربت أن يكون السادة الذين بحثوا في هذا الموضوع أخضعوه لعقد التامين، وهو بعيد كل البعد عن طبيعة عقد التأمين ومقوماته. كذلك لا يصلح أن يكون عقد الجعالة عقدا تستظل به أو برايته عقود الصيانة في الوقت الحاضر.
وأيضا أؤيد ما تفضل به فضيلة الشيخ السلامي أن عقد الصيانة الذي لا يخلو عن تقديم الآلات وهو أكثر عقود الصيانة هذا لا إشكال فيه وهو جائز، ويدخل تحت ستار عقد الإجارة على أجير مشترك وهذا مقبول شرعا، أما إذا ألزمنا الصائن بتقديم قطع الغيار فيما إذا اختلت الآلة ولم تعد تحقق الخدمة المنشودة منها، فهنا الإشكال والواقع أن الجهالة هنا كثيرة، وأستغرب أن بعض الإخوة أجازوا هذا.
وأستغرب ما ذكره الشيخ التسخيري في ما يخص النهي عن بيع وشرط يقول: إنها مخصصة لعهد النبوة.
أولًا: أريد أن أطمئنه أن صيغة هذا النهي، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط لم يثبت بهذه الصيغة وهي عبارة فقهية، أما الحديث الثابت عن حكيم ابن حزام ورواه الترمذي وغيره: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن)) ، هذا هو الحديث الثابت. فالقول بتخصيص النهي عن بيع وشرط في عهد النبوة، لا دليل على هذا التخصيص، وإلا لجعلنا أغلب الأحكام الشرعية مخصصة بعهد النبوة، ونحن في هذه الحالة في حل من أن نتجاوز هذه الأحكام والأصل في الشريعة العموم والخلود، وينبغي أن يقوم الدليل على التخصيص ونحن نطلب من فضيلة الشيخ أن يبين الدليل على تخصيص هذا الحكم وليس الحديث.
أيضا لا أرى بحال من الأحوال أن نجمع في تكييف عقد الصيانة بين كونه عقد معاوضة وعقد تبرع، هذا لا يحل بحال من الأحوال وبينهما تناف واختلاف، ولكن أقر وأجيز بأنه يمكن أن يجتمع عقد بيع وعقد إجارة وقد أجاز المالكية ذلك، ولم تشر البحوث إلى أن الشافعية أيضا صرحوا بأنه لا مانع في اجتماع عقد إجارة وعقد بيع، وهذا لا يدخل تحت النهي عن بيعتين في بيعة أو صفقتين في صفقة، ولاشك أن بينهما عموما وخصوصا، لأن هذه العقود مما تعارفها الناس حتى في العهد الماضي، عهد النبوة.
بناء على كل هذا فإنه ينبغي أن نكون في غاية الدقة في تكييف هذا العقد للاطمئنان بحل التعاقد مع هؤلاء ولابد من التعاقد معهم، أما الأمور الأخرى من المقدمات والضروريات لفهم عقد الصيانة، فإن القوانين المستمدة من الفقه الإسلامي، القانون الأردني، والقانون المصري والقانون السوداني، كيّف هذا العقد تحت عقد المقاولة وهذا تكييف صحيح وسليم ويمكن الاطمئنان إليه والعمل بموجبه.
أما الأمور الأخرى ومنها قضية ضمان الصائن، لا شك أن هذا الضمان إذا كان هناك إخلال بموجب العقد، وتطبيق القواعد العامة، فإن الذي يعقد عقدا ويقع في خطأ تقصيري إما عمدا، وإما بسبب التقصير والإهمال؛ فينبغي أن يكون مسؤولا.
فقضية ضمان الصائن من السهولة أن تطبق عليها القواعد العامة في الضمان في المسؤولية وليس المسؤولية التقصيرية، لأنه لو أخل بشرط من الشروط المتعاقد عليها فحينئذ يكون هذا الضمان مقبولا إذا كان هناك خلل بشرط من شروط التعاقد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.