للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التعقيب ومناقشة

التعقيب والمناقشة:

الشيخ عمر عبد العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛

فإن هذه البحوث المقدمة بحوث تنبئ عن ذهنية فقهية دقيقة ورصيد علمي عال وصياغة متميزة بالأصالة والجدة، وفي معظم هذه البحوث وجدت أن الباحثين الفضلاء قد جعلوا عقد الصيانة من الضروريات، وبذلك عندما يكون عقد الصيانة ضروريا يكون قد تسنم ذروة طلب الشارع لفعله، وهي الطلب على وزن الحتم والإلزام المتمثل في الإيجاب، وهذا مما يتأبى ذهني على أن ينقدح ذلك فيه. ذلك أن الضروري هو ما باختلاله تختل به الحياة وتكون على فساد وتهارج وفوضى، ثم إن الضروري قطعي يقطع الخلاف، وإذا كان الأمر كذلك أي إذا اعتبر من الضروريات فإنه عندئذ تكون الحاجة مندفعة والفائدة منتفية في البحث عن حكم عقد الصيانة وجوازه، لأن جوازه إن ثبت لا يصلح أن يكون تأكيدا لوجوبه لأن الأقوى طلبا لا يتأكد بما هو أضعف منه فيه. ولا يكون كذلك تأسيسا لحكم جديد، لأن الوجوب يستلزم الجواز، لكون الوجوب أخص من الجواز والأخص يستلزم الأعم، فيكون الجواز قد ثبت مع الوجوب.

وباستقراء الأخبار الحكمية ثبت كون أحد الأمرين الغاية المتغياة منها. والباحثون الأفاضل والأساتذة الكرام قد نفوا أن يكون عقد الصيانة أو جوازه قطعيًّا وبذلك نفوا أن يكون ضروريًّا أيضا لأنهم هم أنفسهم قد ذكروا اختلافات كثيرة في مشروعيته، وهم أيضا اختلفوا في ذلك فيما بينهم.

هذا فيما يتعلق بمعظم البحوث، وقد طالعني في بعض البحوث تكييف لعقد الصيانة، فبعض الباحثين الأفاضل قد جعلوا عقد الصيانة نوعا من المقاولة وبرروا اندارج عقد الصيانة، نوعا في المقاولة لأن أكثر ما ينطبق على المقاولة ينطبق على عقد الصيانة وهذا المبرر، في اعتقادي، لا يبرر الأعمية للمقاولة بالنسبة لعقد الصيانة، لأن الأعم ينبغي أن يكون كل ما ينطبق عليه منطبقا على أخص منه، لأن الإنسان لما كان أعم من الرجل، وكان الإنسان هو الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة؛ كان الرجل كذلك أيضا مع خاصية الذكورة، ولذلك فإن الذي يصحح هذه النسبة هو استبدال كلمة الكل بكلمة الأكثر.

وذكر بعض الأساتذة تعريفا لعقد الصيانة وعرفوه بأنه عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين بصيانة شيء مقابل أجر يتعهد به المتعاقد الآخر، والغرض من التعريف هو استكناه الشيء وبيان ماهيته والكشف عن حقيقته ليتميز المعرف عن غيره، ولذلك تقرر القواعد المنظمة للتعاريف أن يكون التعريف أجلى من المعرف، وكذلك أيضًا ينبغي أن لا يكون المعرف جزءا من التعريف وإلا لأدى ذلك إلى تعريف الشيء بنفسه، وهذا دور يؤدي بالتعريف إلى البطلان، وكذلك أيضا فإن التعريف ينبغي أن يكون أجلى من المعرف ليقوم بهذه المهمة ولذلك فإن الذي يظهر لي أنه ينبغي إخلاء جميع تعاريف عقد الصيانة من كلمة الصيانة، ويؤتى بما يوضح المعرف دون أن تتوقف معرفة المعرف على معرفة التعريف، مع توقف معرفة التعريف على معرفة المعرف. هذا ما أردت أن أبينه وأرجو الله، سبحانه وتعالى، للجميع التوفيق والسداد والسلام عليكم.

<<  <  ج: ص:  >  >>