للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٦- وانسجامًا مع المواقف السابقة فإن الاقتصاد الإسلامي لا يعول كثيرًا على عمليات الإقراض والاقتراض في دنيا الأعمال، وطالما أن الفائدة مرفوضة فلن يبقى لها تلقائيًّا مكان يذكر.

٧- كذلك فإن الإسلام وإن لم يرفض من حيث المبدأ مشاركة الأجانب في الاستثمارات المحلية، فإنه يضع لها من الأطر والضوابط ما يقلل إلى حد كبير من مخاطرها. كما أنه يدفع بها دفعًا قويًّا صوب المجالات الإنتاجية، أو ما يعرف بالاستثمارات المباشرة وليس الاستثمارات المالية.

٨- أقر الإسلام العقوبات الرادعة الزاجرة على كل من يتلاعب في العملة (١) .

٩- كذلك فإن الإسلام يصل في تحريم الإسراف في الإنفاق بكل صوره إلى درجة غير مسبوقة ولا ملحوقة، ويضع من التشريعات العملية ما يجعل ذلك واقعًا معاشًا، ويقدم للدولة في ذلك من الصلاحيات الشيء الكثير، حتى لا تهيئ المجال لظهور هذا المرض الاجتماعي والاقتصادي المعدي الخطير (٢) .

وقد رهنت التجارب الراهنة على أن الإسراف ليس مجرد انحراف سلوكي أو اجتماعي، بل إنه انحراف اقتصادي يلحق بالمجتمع من الأضرار الاقتصادية ما يكاد يأتي عليه. وهذا ما يعمق لدينا الإيمان بمبادئ الاقتصاد الإسلامي التي تقوم على الاعتدال وتجريم عمليات التبذير والإسراف والترف.

من جوانب مواجهة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمات الاقتصادية:

١- الإسلام يعطي للدولة صلاحية القيام بما تراه ضروريًّا لعلاج آثار الأزمات الاقتصادية والتي قد يكون منشؤها المضاربة في العملات، من قبيل السياسة الشرعية. ولها في ذلك حظر بعض المباحات مثل التوسع في الإنفاق وتنظيم الصادرات والواردات، وتنظيم انتقالات رؤوس الأموال دخولاً وخروجًا، وإعادة النظر في تخصيص الموارد وتوزيعها بين الاستخدامات المختلفة بما يتطلبه الظرف الراهن، بل وتقليل أعداد العاملين في بعض المشروعات، وفرض الضرائب على بعض الأنشطة والفئات، طالما أن المصلحة العامة اقتضت ذلك، والمعروف أن تصرف الحاكم منوط بالمصلحة.

٢- يمكن القول إجمالاً إن الأثر العام لهذه الأزمات الاقتصادية الراهنة، والتي باتت تضرب مختلف بقاع العالم بدرجة أو بأخرى هو ازدياد حدة الفقر واتساع رقعته. وعلى البلدان التي تعرضت لهذه الأزمات أن تتخذ من التدابير ما يخفف من وطأة آثار هذه الأزمات. وللإسلام موقفه الصريح والحاسم حيال ما تتعرض له الدولة أو الأمة أو الجماعة من نكبات أيًّا كان مصدرها وعواملها. في مثل تلك الحالات الطارئة لا يترك البعض ليموت جوعًا، ويعيش الآخرون، في الحديث الشريف: ((إذا بات مؤمن جائعًا فلا مال لأحد)) ، " إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في إناء واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم ".

وفي الأثر عن عمر رضي الله عنه في عام الرمادة يقول مخاطبًا أحد حكام أقاليم الدولة: "أفتراني هالكًا ومن معي، وتعيش أنت ومن معك "، كما يقول: " لو لم أجد للناس ما يسعهم لأدخلت على أهل بيتي مثلهم، فإن الناس لا تهلك على أنصاف بطونها ". وترجمة هذه التوجيهات والأحكام إلى واقع عملي مناسب مسؤولية المجتمع كله، شعوبًا وحكومات. ويمكن لصندوق الزكاة وصندوق التكافل الاجتماعي أن يلعبا دورًا مهما في ذلك.


(١) الغزالي، إحياء علوم الدين، مرجع سابق: ٢ / ١٣٠؛ د. رفيق المصري، الإسلام والنقود، جدة، جامعة الملك عبد العزيز، ١٤١٠ هـ، ص ١٦.
(٢) د. شوق دنيا، تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٨٤، ص ٢٢٣ وما بعدها؛ د. عبد السلام العبادي، الملكية في الشريعة الإسلامية: ١ / ٩٥، عمان، مكتبة الأقصى.

<<  <  ج: ص:  >  >>