وأما حمله على أنه في الميتة فمعوله على ما أخرجه أبو داود والطبري والبزار عن طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟ فنزلت {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}[الأنعام: ١٢١] ، وهذا يعني أن الآية إنما نزلت في تحريم الميتة، فلا يحمل على حكمها غيرها.
وأما الأحاديث التي ناطت الأكل من الصيد وغيره بذكر اسم الله عليه فهي محمولة على الندب (١) ، وأما القول الثاني- وهو قول من فرق بين حالتي العمد والنسيان- فإن أصحابه استندوا في تشددهم حالة العمد إلى ما استند إليه أصحاب القول الأول، واستدلوا على عذر الناس بقوله تعالى:{وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} ، مع ما علم من أنه لا يفسق غير العامد، كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم:((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٢) ، وبما أخرجه البيهقي من طريق ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكل)) (٣) ، وبما رواه ابن عدي من طريق أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((اسم الله على كل مسلم)) (٤) .
(١) النووي، شرح مسلم: ١٢/ ٧٤ (٢) رواه ابن ماجه في سننه في كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، رقم الحديث (٢٠٤٥) (٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصيد والذبائح، باب من ترك التسمية وهو ممن تحل ذبيحته، بطرق مختلفة، وفي ألفاظها بعض الاختلاف. (٤) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: ٢/ ١٧٠؛ وابن العربي، أحكام القرآن: ٢/ ٧٥٠؛ والالوسي، روح المعاني: ٨/ ١٥؛ واطفيش، تيسير التفسير: ٣/ ٤٣٨؛ وشرح النيل: ٤/ ٤٧٥؛والباجي، المنتقى: ٣/ ١٠٥؛ الكاساني، بدائع الصنائع: ٦/ ٢٧٨٠؛ ابن مودود الموصلي، الاختيار لتعليل المختار: ٥/ ١٥؛ابن رشد، بداية المجتهد: ١/ ٤٤٨، ٤٤٩؛أبو فارس، أحكام الذبائح في الإسلام، ص ٤٧، العبادي، الذبائح في الشريعة الإسلامية، ص ٣٠.