للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم جاء الإسلام وكان النقد السائد في بلاد الروم هو الدينار الذهبي، والسائد في بلاد الفرس هو الدرهم الفضي، يقول العلامة المقريزي: "وكانت نقود العرب التي تدور بينها: الذهب والفضة لا غير، ترد إليها من الممالك، دنانير الذهب قيصرية من قبل الروم، ودراهم فضة على نوعين: سوداء وافية –أي كل درهم مثقال- وطبرية عتق- أي كل درهم نصف مثقال تقريباً- وكان وزن الدراهم والدنانير في الجاهلية مثل وزنها في الإسلام مرتين.." ولم يكن شيء من ذلك يتعامل به أهل مكة في الجاهلية، وكانوا يتبايعون بأوزان، اصطلحوا عليها فيما بينهم، وهو الرطل الذي هو اثنتا عشرة أوقية، والأوقية هي أربعون درهما.. ولما بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أقر أهل مكة على ذلك كله وقال: ((الوزن وزن أهل مكة)) . (١)

ثم رتب صلى الله عليه وسلم على ذلك أحكام الزكاة وغيرها، ولما جاء أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- عمل في ذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغير منه شيئاً، ولما جاء عمر وفتح الله على يديه مصر والشام والعراق، لم يعترض لشيء من النقود، بل أقرها على حالها، ولكن في سنة ١٨ هـ ضرب الدراهم على نقش الكسروية، غير أنه زاد في بعضها: "الحمد لله" وفي بعضها "محمد رسول الله" وفي بعضها: "لا إله إلا الله وحده"، وفي آخر مدة عمر وزن كل عشرة دراهم ستة مثاقيل، ثم لما وبيع عثمان –رضي الله عنه- ضرب في خلافته دراهم نقشها: "الله أكبر" وفي عهد معاوية، ضرب تلك الدراهم السود الناقصة من ستة دوانق، وضرب منها زيادة؛ وجعل وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وضرب معاوية أيضاً دنانير عليها تمثال متقلد سيفاً، ثم لما قام عبد الله بن الزبير –رضي الله عنهما- بمكة ضرب دراهم مدورة، وهو أول من ضرب الدراهم المستديرة، ونقش على أحد وجهي الدرهم: "محمد رسول الله" وعلى الآخر: "أمر الله بالوفاء والعدل"، ولما استقر الأمر لعبد الملك وضع السكة الإسلامية، وأمر الناس أن يضربوا عليها نقودهم، فكان وزن عشرة دراهم سبعة مثاقيل، والدينار اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة بالشام –أي مثقال- وهكذا وكان العالم الإسلامي لديه الاكتفاء الذاتي من الذهب والفضة، ويكمل بعضه بعضاً، فكان المشرق يهيئ الفضة، والمغرب يأتي بالذهب وفيه أكبر معادن التبر في ذلك العهد. (٢)


(١) وتتمة الحديث ".. والمكيال مكيال أهل المدينة" رواه أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني وصححاه. انظر: سنن أبي داود –مع العون- كتاب البيوع (٩/١٨٨) ؛ والنسائي، كتاب البيوع، ط. دار البشائر الإسلامية ببيروت (٧/٢٨٤) ح وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج ٢/١ الحديث رقم ١٦٤.
(٢) يراجع في تفصيل ذلك كتاب النقود للمقريزي طبعة أستانة؛ ويراجع: النقود والمكاييل والموازين لحافظ عبد الرؤوف المناوي، ط. دار الحرية للطباعة ببغداد، تحقيق: د. رجاء السامرائي، ففيه تفصيل، وتاريخ موسع للنقود، والأحكام السلطانية لأبي يعلي، بتعليق الشيخ حامد الفقي ص (١٧٤-١٧٩) ؛ والمقدمة لابن خلدون، ط. عبد السلام بن شقرون ص (٢٢٩- ٢٣٠)

<<  <  ج: ص:  >  >>