وفي البخاري ومسلم: عن النعمان بن بشير، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) .
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الحلال المحض بين واضح لا مجال للشك فيه، وأن الحرام المحض بين لا يختلج في القلب الجهل به، ولكن بينهما أمور مشتبهات لا يعلم أكثر الناس حقيقة الحكم فيها، هل هي من الحلال أو من الحرام؟ ومفهوم الحديث أن القليل من الناس وهم أهل العلم والمعرفة يعرفون حكم الله في هذه المشتبهات، فيلحقون الحلال بنظيره من الحلال، والحرام بنظيره من الحرام.
فالذين يخاف عليهم من الوقوع في الحرام عند مقاربتهم للمشتبهات هم العوام الذين تحفى عليهم غوامض الأحكام، ويتجاسرون على الأشياء المشتبهات بدون سؤال عن الحلال والحرام، كان أن العلماء ينبغي أن يتركوا المشتبهات عندما يخفى عليهم طريق الحكم فيها، لحديث:((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) .
ثم إن هذه المشتبهات تقع في العقود والشروط والمبايعات، والأنكحة والأطعمة والرضاع، وقد ترجم عليها البخاري في صحيحه، فقال:(باب تفسير المشتبهات) ، ثم ساق بسنده عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بن أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فقالت: إني قد أرضعتكما، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره، ثم ذكر حديث عبد الله بن زمعة مع عتبة بن أبي وقاص، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((الولد لك يا عبد الله بن زمعة واحتجبي منه يا سودة)) . فأمر سودة أن تحتجب عنه مع أنه محكوم بكونه أخاها، لكن لما رأى قرب شبه بعتبة بن أبي وقاص أمرها أن تحتجب عنه، وهو من باب اتقاء الشبهات.
فمن هذه المشتبهات ما قع مشكلا مشتبها في وقت إلى أن يتصدى له من يخرجه من حيز الاشتباه والغموض إلى حيز التجلي والظهور حتى يصير واضحا جليا لا مجال فيه للاشتباه.
فمن هذا النوع قضية التأمين على السيارات فهي وإن أشكل على الكثير من الناس حكمها من أجل تجدد حدوثها وغموض أمرها، وعدم سبق الحكم من الفقهاء فيها باسمها، فإن لها في الفقه الإسلامي أشباها ونظائر ينبغي أن ترد إليها ويؤخذ قياسها منها، كما يرد الفرع إلى أصله والنظير إلى نظيره.
وهذا يعد من القياس الصحيح الذي نزل به الكتاب والسنة وعمل به الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يمثلون الوقائع بنظائرها ويشبهونها بأمثالها، ويردون بعضها إلى بعض في أحكامها، ففتحوا للعلماء باب الاجتهاد ونهجوا لهم طريقه وبينوا لهم سنة تحقيقه وتطبيقه، كما سيأتي بيانه.