ـ كما تناولنا الشبهات في موضوع السلم والحرب في الإسلام وقد بينا كيف كان العرض السابق لمباحث هذا الموضوع هو الرد الموضوعي لما أثير من شبهات مغرضة لا تستند إلى واقع , بل هي من أوهام المشككين وحقد المغرضين على الإسلام والمسلمين.
وذكرنا من هذه الشبهات شبهة الإكراه في الدين ونشره بالسيف وكيف إنها متهافتة بتصريح النصوص في أنه (لا إكراه في الدين) . ومن الواقع العملي في مسيرة الدعوة والفتوحات، واستمرار وجود المعاهدين وأهل الديانات الأخرى إلى الآن في البلدان المفتوحة.
ـ كما تناولنا ما يتصل بهذه الشبهة من شبهة الجزية والرد عليها وهي القدر المالي الذي يؤخذ ممن يتمتع بحقوق الرعوية من المسلمين الفاتحين ولم يكن مغريًّا حتى يكون الغاية ـ كما يزعمون ـ من الفتوحات فأعلاها ٤٨ درهما وأدناها ١٢ درهما وأوسطها ٢٤ درهما , ويعفى منها الفقير والصبي والمرأة والراهب المنقطع للعبادة والأعمى والمقعد وذوو العاهات.
ويدفع هذه القدر اليسير مع القدرة عليه ليدافع عنه في ماله وعقيدته وعرضه وكرامته، وإن لم يستطع الفاتحون تحقيق هذا لسبب من الأسباب وردوا هذا القدر اليسير إليه وما يدفعه الواحد منهم يعود عليهم عند حاجته.
وقد ناقشنا ما معنى الإذلال في إعطاء الجزية وأنه ينصرف إلى معنى الخضوع للنظام وأن تكون عن قدرة.
ـ كما تناولنا شبهة أخرى في اعتبار الرق غاية من الجهاد في الإسلام، وكيف أن هؤلاء لم يفهموا حقيقة الإسلام الذي يقرر كرامة الإنسان وحريته فلا يعرف العبودية إلا لله سبحانه، وكيف عالج الإسلام الرق الذي كان شائعًا معالجة موضوعية صحيحة فقدم ما يحقق المساواة بين الناس وما بين النفوس على القيم والمبادئ التي تحقق للإنسان الشعور بكرامته ثم أغلق جميع المصادر للرق، ووسع طرق العتق، مع استمرار المعاملة الكريمة، معاملة الأخوة بين السادة وإخوانهم، كما آخى بين بعض الأحرار من سادة العرب وبين بعض الموالي ومنحهم الرسول مراكز قيادة لجدارتهم، وأمر بطاعتهم.
وأما المصدر الذي يضطر المسلمون اضطرارًا فهو يتعلق بغيرهم من الأعداء الذين يسترقون الأسرى من المسلمين فيسلبونهم حريتهم ويعاملونهم بالعسف والظلم، ولذلك فإن هذا الباب ظل مفتوحًا مع فارق المعاملة.
كما أن الآية الكريمة التي تحدثت عن الأسرى قد ذكرت المن والفداء فقط حتى لا يكون الاسترقاق للأسرى تشريعًا دائمًا للبشرية.
وعلى ذلك يكون أخذ المسلمين بمبدأ الاسترقاق في الحروب خضوعًا لضرورة قاهرة لا فكاك منها.
فالجهاد في سبيل الله سبحانه لم يكن رغبة في استعباد الناس أو أخذ أموالهم، أو التوسع والسيطرة الغاشمة، إنما كان جهادًا لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن تحقيق هذه الغاية يضمن للمجتمعات البشرية أمنها وسلمها وحريتها وكرامتها وسعادتها في الدنيا والآخرة.
الدكتور محمد رأفت سعيد.