وهكذا تتبع الإمام الشافعي رحمه الله بهذه الأدلة القرآنية أصل فرض الجهاد ومراحل تشريعه حتى استقرت فرضيته بالصورة التي ذكرت، وارتبط حكمه ببواعثه وأهدافه والتي أشير إليها في كلامنا السابق والذي نبرزه في النقاط الآتية:
بواعثه وأهدافه:
إن الهدف الأسمى من الجهاد الذي يقره الإسلام هو الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن تحقيق هذا الهدف يحقق للناس سلمهم الحقيقي ويضمن لهم سلامة أنفسهم وصيانة أعراضهم وحفظ أموالهم، ولذلك فإن هذه الغاية هي التي تجعل الجهاد في سبيل الله، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر ,والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟.
فقال:((من قاتل لتكون كلمة الله العليا، فهو في سبيل الله)) .
وإذا قلنا إن إعلاء كملة الله هو هدف المؤمن، والأمة المؤمنة فإن الذي يبعث الأمة على الجهد هو كل سبيل يحقق هذا الهدف، وإزاحة كل معوق في هذا السبيل. ومن هذه السبل:
ـ إخراج المؤمنين من الفتنة ونصرة المستضعفين، قال تعالى:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}(١) .
ـ ومن هذه الصور الباعثة على الجهاد رد الاعتداء الذي يقع من الظالمين الذين يقفون في طريق الدعاة فإن الأمة المسلمة أمة تحمل رسالة ربها وتدعو الناس أجمعين إليها فقيام الأمة بواجب الدعوة أمر لا بد منه، فإذا تعرض أحد المخالفين للدعاة إلى الله على بصيرة ووقف في سبيل الدعوة فعذب الداعي أو من آمن وصده عن الدخول فيها فإن هذه الصورة أنواع من الاعتداء على الناس يجب دفعه حتى يرتفع الظلم والإكراه من الظالمين ولتكون كلمة الله هي العليا.
وهذه الصورة هي التي تجعل الباحثين يقررون أن الجهاد في مثل هذه الحالات جهاد دفاعي لرد الاعتداء. قال تعالى:{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ}[سور البقرة الآيات ١٩٠ ـ ١٩١] .
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٣ (٢) سورة النساء: الآية ٧٥