(ب) مشروعيتها:
٢٨– لقد ثبتت مشروعية الكفالة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} (١)
قال ابن عباس: الزعيم هو الكفيل.
ووجه الاستدلال بالآية أن المنادي لم يكن مالكًا، إنما كان نائبًا عن يوسف ورسولًا له، فشرط حمل البعير على يوسف لمن جاء بالصواع، ثم ضمن الحمل عنه لمن ردها. (٢) .
وقد اعترض على هذا الاستدلال بأن ما جاء في الآية هو شرع من قبلنا!! والجواب على ذلك: أن شرع من قبلنا إذا أقره الإسلام ولم ينكره، فهو شرع لنا، وهذا حاصل في الكفالة.
وأما السنة: فما روى أبو داود والترمذي وأحمد والدارقطني والطيالسي وابن ماجه والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وأبو يعلى عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((الزعيم غارم)) (٣) .
وما روى البخاري والبيهقي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأبو داود والترمذي والنسائي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها فقال: هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير. قال: صلُّوا على صاحبكم.
فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يارسول الله وعليَّ دينه. فصلى عليه (٤) .
وما روى أبو داود وابن ماجه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلًا لزم غريمًا له بعشرة " دنانير، فقال: والله ما أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل. قال: فتحمل بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأتاه بقدر ما وعده، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيها، ليس فيها خير. فقضاها عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم (٥) .
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الكفالة في الجملة، وإن اختلفوا في أحكام بعض فروعها (٦) .
ولا يخفى أن حكمة مشروعية الكفالة هي كونها صورة من صور التعاون على الخير الذي حث الله تعالى عليه بقوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (٧) .
ووجه التعاون فيها أنها تسهيل لعقود الناس ومدايناتهم التي يحتاجون إليها، ورفع لخوف الدائن على ماله بتوثيقه وحفظه له من التوى والضياع، وإزالة لخوف المدين على نفسه من العجز عن الوفاء. ومن هنا كانت عونًا للدائن والمدين معًا. يقول الزاهر البخاري: " وأما الحسن في الكفالة: فإن فيها إظهار الشفقة ومراعاة الأخوة ببذل الذمة ليضمها إلى الذمة، فيتفسح وجه المطالبة ويسكن قلب المطالب بسبب السعة " (٨) .
(١) الآية ٧٢ من سورة يوسف.
(٢) أحكام القرآن، لابن العربي: ٣/١٠٩٧؛ والتسهيل، لابن جزي الكلبي: ٢/١٢٤.
(٣) سنن الدارقطني: ٣/٤١؛ والدراية في تخريج أحاديث الهداية: ٢/١٦٣؛ ومسند الإمام أحمد: ٥/٢٦٧؛ وبذل المجهود: ١٥/٢٤٣؛ وعارضة الأحوذي: ٦/٢١؛ وسنن ابن ماجه: ٢/٨٠٤؛ وسنن البيهقي: ٦/٧٢.
(٤) صحيح البخاري: ٣/٥٦؛ وسنن البيهقي: ٦/٧٢؛ وسنن ابن ماجه: ٢/٨٠٤؛ وبذل المجهود: ١٤/٣٠٧؛ وسنن النسائي:٤/٦٥، ٦٦؛ وعارضة الأحوذي: ٤/٢٩٠.
(٥) وبذل المجهود: ١٤/٢٨٩؛ وسنن ابن ماجه: ٢/٨٠٤؛ وسنن البيهقي: ٦/٧٤.
(٦) المغني: ٤/٥٩١.
(٧) الآية ٢ من سورة المائدة.
(٨) محاسب الإسلام، للزاهد البخاري: ص٩٤.