ومن ذلك أنّ بعض العرب أدخل على الواثق، وكان يقول بخلق القرآن ويعاقب من خالفة، فقال له، ما تقول في القرآن، فتصامم عليه، فأعاد السؤال، فقال: من تعني يا أمير المؤمنين؟ فقال: إيّاك أعني، فقال: مخلوق- يعني نفسه، وتخلّص منه.
وقال لآخر من الصالحين: ما تقول في القرآن؟ فأخرج يده، وجعل يعدّ أصابعه، ويقول: التّوراة والإنجيل والقرآن هؤلاء الثلاثة مخلوقة. فعنى أصابعه، وتخلص منه.
وتعذّر على رجل لقاء المأمون في ظلامة، فصاح على بابه: أنا أحمد النبيّ المبعوث.
فأدخل إليه، وأعلم أنه تنبّأ فقال له: ما تقول؟ فذكر ظلامته، فقال: له ما تقول فيما حكي عنك؟ فقال: وما هو؟ ذكروا أنّك تقول إنّك نبي، فقال: معاذ الله، إنّما قلت: أنا أحمد النبيّ المبعوث، أفأنت يا أمير المؤمنين ممن لا يحمده؟ فاستظرفه، وأمر بإنصافه.
وخرج شريح القاضي من عند زياد، وتركه يجود بنفسه، فسأله الناس عن حاله، فقال: تركته يأمر وينهى، فجزعوا لسلامته، فما راعهم إلا صياح النّائحات عليه. فسئل شريح عن قوله، فقال: تركته يأمر بالوصيّة، وينهى عن البكاء.
وسئل ابن شبرمة عن رجل ليستعمل، فقال: إن له شرفا وقدما وبيتا. فنظروا فإذا هو ساقط سفلة، فقيل له في ذلك، فقال: شرفه أذناه، وبيته الّذي يأوي إليه وقدمه الذي يمشي عليه.
وقال صاحب المنقذ:
إذا حلفت بالأيمان اللازمة لك، فانو بالأيمان الأيدي، قال تعالى: عَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: ١٧]. فإن قلت: كلّ امرأة طالق فاعن الطّالق من الإبل، وهي التي يطلّقها الراعي، والطّالق الّتي يحمل عليها عقالها.
فإن قيل: احلف بظهار امرأتك كظهر أمّك، فاعن بالظّهر ما يركب من الخيل والبغال والحمير، ولا جناح عليه في ركوب دوابّ أمه.
فإن قال: احلف بمالك على المسلمين صدقة، فاعن ما لك على المساكين من دين، وليس لك عليهم شيء.
فإن أحلفك بأنّ كلّ مملوك لك حرّ. فالمملوك: الدّقيق الملتوت بالماء أو الزيت أو السمن.
فإن قال: كلّ غلام لك حرّ. فالحرّ: الحيّة الذّكر، والحرّ من الرمل الّذي ما وطئ، والحرّ: ذكر الحمام، قال حميد. [الطويل]
* دعت ساق حرّ ترحة وترنّما (١) *
(١) صدره:
وما هاج هذا الشوق إلّا حمامة
والبيت لحميد بن ثور الهلالي في ديوانه ص ٢٤، ولسان العرب (حرر)، (سوق)، (حمم)، -