فالتفت الوالي إلى الغلام وقال: تبّا لك من خرّيج مارق، وتلميذ سارق! فقال الفتى: برئت من الأدب وبنيه، ولحقت بمن يناويه، ويقوّض مبانيه؛ إن كانت أبياته نمت إلى علمي، قبل أن ألّفت نظمي؛ وإنما اتّفق توارد الخاطر، كما قد يقع الحافر على الحافر.
***
قوله: أقدم أي تقدم. لؤمه في الجزاء: يريد أنه جازاه على ما فعل معه من الخير مجازاة لئيم، فسرق شعره. السداسية الأجزاء، لأن عروضها من الكامل، وأجزاؤها متفاعلن ست مرات. الرّزء: المصاب. فلذ: قطع. أرعني سمعك: أي اسمع مني.
ذرعك: بالك وقلبك. أصلت: جرد سيفه. تتصعّد: تتطلع إلى فوق. الخرّيج: الذي خرّجه معلمه، وفلان خرّيجك، أي الذي خرج بتهذيبك وتعليمك. مارق: خارج عن الطاعة. وتلميذ: طالب متعلم. برئت: زلت وانفصلت. يناويه: يعاديه. يقوّض: يهدم.
توارد الخواطر: تواطؤ الأذهان، أي وقع لذهن الفتى من الكلام ما وقع لذهن الشيخ، مثل الحافر الذي وقع على الحافر.
وهذا الكلام يعزى لأبي الطيب المتنبي، وسئل عن اتفاقات الخواطر، فقال: الشعر ميدان، والشعراء فرسان، فربّما اتفق توارد الخواطر، كما قد يقع الحافر على الحافر.
قال الأصمعي رحمه الله تعالى: قلت عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق أحدهما صاحبه، ولا سمع شعره؟ فقال لي: تلك عقول رجال توافقت على ألسنتها.
[[توارد الخواطر]]
ومن مشهور ذلك ما وقع في القصيدتين البائيتين لامرئ القيس وعلقمة، وكذلك اتفاقه مع طرفة في قوله:[الطويل]
وقوفا بها صحبي على مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد (١)
وقال امرؤ القيس وتجمّل (٢).
(١) البيت في ديوان طرفة بن العبد ص ٣٠. (٢) أي قول امرئ القيس: وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل والبيت من الطويل، وهو في ديوان امرئ القيس ص ٩، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٢٦٨.