فأعجب رهط الصّهر ما أشاروا إليه، وأذنوا في إحضار المنصوص عليه، فبرز حينئذ شيخ قد أمال الملوان قامته، ونوّر الفتيان ثغامته، فتباشرت الجماعة بإقباله، وتبادرت إلى استقباله، فلمّا جلس على زربيّته، وسكنت الضوضاء لهيبته، ازدلف إلى مسنده، ومسح سبلته بيده، ثم قال: الحمد لله المبتدئ بالإفضال، المبتدع للنّوال، المتقرّب إليه بالسؤال، المؤمّل لتحقيق الآمال، الّذي شرع الزّكاة في الأموال، وزجر عن نهر السّؤّال، وندب إلى مواساة المضطر، وأمر بإطعام القانع والمعترّ، ووصف عباده المقرّبين، في كتابه المبين، فقال وهو أصدق القائلين: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٩].
أحمده على ما رزق من طعمة هنيّة، وأعوذ به من استماع دعوة بلا نيّة.
وأشهد ألّا إله إلّا الله وحده لا شريك له، إلها يجزي المتصدّقين والمتصدّقات، ويمحق الرّبا ويربي الصدقات ...
***
الملوان والفتيان: الليل والنهار. وثغامته: شعرته. نوّرها: بيّضها. والثّغام: نبت أبيض، وهو ضرب من البهمى، منابته الجبال، إذا يبس ابيضّ بياضا شديدا.
أبو حنيفة: تنبت الثغامة خيوطا طوالا دقاقا من أصل واحد، فإذا جفّت ابيضّت كلها، وإذا أمحل الثغام، كان أشدّ بياضا، ويشبّه به الشيب، قال المرار الفقعسيّ:
[الكامل]
أعلاقة أمّ الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثّغام المخلس (١)