وفي قبليّة دار بني النجار، وهي دار أبي أيوب الأنصاريّ، ويليها دار عائشة رضي الله تعالى عنها، وبإزائها دار عمر ودار فاطمة ودار أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين ورضي عنّا بهم، وبإزائها بئر أريس حيث تفل فيه النبي صلّى الله عليه وسلم فعاد عذبا بعد أن كان أجاجا، وفيه وقع خاتمه من يد عثمان رضي الله عنه، وحديثه مشهور، وفي آخره تلّ مشرف يعرف بعرفات لأنه كان موقف النبي صلّى الله عليه وسلم يوم عرفة، ومنه زويت له الأرض فأبصر الناس بعرفات. ويدخل من التل على دار الصّفة، وبها كان عمار وسلمان وأصحابهما. والطريق من قبل قباء إلى المدينة بين حدائق النخل المتصلة، والنخيل تحدق بالمدينة من جهاتها، وأعظمها جهة القبلة والشرق، وأقلها جهة الغرب. وآثار المدينة وقباء لا تحصى. فلمّا خص الله تعالى تربة طيبة بصفوة عباده أقسم الحريري بمن طيّبها.
صفر العيبة: خلو الوعاء.
***
ثمّ نزع إلى الفرار، وتبرقع بالاكفهرار، وقال: أما تعلم أنّ شنشنتي الانتقال من صيد إلى صيد، والانعطاف من عمرو إلى زيد، وأراك قد عقتني وعققتني، وأفتّني أضعاف ما أفدتني، فاعفني عافاك الله من لغوك، واسدد دوني باب جدّك ولهوك. فجبذته جبذ التّلعابة، وجعجعت به للدّعابة، وقلت له: والله لو لم أوارك، وأغطّ على عوارك، لما وصلت إلى صلة، ولانقلبت أكسى من بصلة، فجازني عن إحساني إليك، وستري لك وعليك، بأن تسمح لي بردّ الفروة، أو تعرّفني كافات الشّتوة. فنظر إليّ نظر المتعجّب، وازمهرّ ازمهرار المتغضّب، ثمّ قال: أمّا ردّ الفروة فأبعد من ردّ أمس الدّابر، والميت الغابر.