وقال له: قد بلغني عنك أنك تسرق الأكفان وقد دنت وفاتي في وقت كذا تسمع نعيي وقد أعددت قيمة كفني فخذه الآن ولا تهتكني في قبري، فأجابه النباش إلى ذلك، فلما كان الوقت الذي ذكر القاضي أنه ينعى فيه سمع النباش الناعي فقال: إنه رجل صالح فلأخبرنّ زوجتي بخبري معه فلما أخبرها قالت احذره، فلما دفن ثار في نفسه أنه يسرق كفنه. فقالت له زوجته لا تفعل. فلم يلتفت إليها: فلما حفر القبر ودخل فيه وإذا بالميت قد أجلس وقال أحد الملكين للآخر شم رجله، فشمها فقال ليس فيها شيء إنه لم يسع بها معصية قط، فقال فيها خيرا، ثم قال شم [عينيه]، فقال: إنه لم ينظر إلى محرم قط، فقال شم سمعه فشم أحد سمعيه فلم يجد شيئًا ثم شم السمع الآخر فوقف، فقال: ما وجدت؟ فقال بعض نتن، فقال أتدري مم هذا النتن؟ إنه أصغى بأحد سمعيه إلى أحد الخصمين [أكثر] من الآخر فانفخ فيه فنفخ فيه فامتلأ القبر نارا فلحق بصر النباش فعمي فإذا كان حال هذا القاضي فكيف حال من شأنه يتبرطل لأجل الحقوق وعدم إقامة الحدود وغير ذلك من المفاسد لقد أوقع نفسه هذا المسكين في أشر موقع وليست شؤمه يقتصر عليه بل يتعدى شره إلى غيره. قال اللّه تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}(١) الآية، اهـ. قاله الشيخ تقي الدين الحصني بها بعض كتبه (٢).
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧. (٢) قمع النفوس ورقية المأيوس (لوحة ٣٨ و ٣٩/ مخ ٦٠٢ برلين).