تجمل عظيم ومقدم كريم وبقي مدة يحدثهم في مسجده فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الدبيلي يتلطف معه ويسأله أن يأتيه بالصحيح ويحدثهم به في قصره فامتنع البخاري من ذلك وقال لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فحصلت وحشة بينهما فأمره الأمير بالخروج [عن] بلده، ويقال أن البخاري دعا عليه فلم يأت شهر حتى ورد أمر دار الخلافة بأن ينادى على خالد في البلد فنودي عليه على أتان وحبس إلى أن مات، ولما خرج من بخارى كتب إليه أهل سمرقند يخبطونه إلى بلدهم فسار إليهم فلما كان بقرية خَرْتَنَك بفتح المعجمة وإسكان الراء وفتح الفوقانية وسكون النون وهي على فرسخين من سمرقند بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة فقوم يريدون دخوله وقوم يكرهونه فأقام بها حتى ينجلي الأمر فضجر ليلة فدعا وقد فرغ من صلاة الليل:(١) اللهم قد ضاقت [علي الأرض بما رحبت] فاقبضني إليك فمات في ذلك الشهر سنة ست وخمسين مائتين وعمره اثنان وستون سنة.
فإن قلت: كيف استجاز الدعاء بالموت وقد خرج هو في صحيحه (٢) لا يتمنيّن أحدكم الموت لضر نزل به. قلت: نصوا بأن المراد بالضر هو الدنيوي؛ وأما إذا نزل ضر ديني فإنه يجوز تمنيه خوفا من تطرق الخلل في الدين. ولما دفن فاح من تراب قبره رائحة الغالية أطيب المسك وظهر سوار بيض في السماء مستطيلة حذاء القبر وكانوا يرفعون التراب منه للتبرك حتى
(١) طرح التثريب في شرح التقريب (١/ ١٠١) (٢) صحيح البخاري (٥٦٧١).