فَانْظُر كَيفَ حفظ الشَّرْع حق الْغَاصِب وَلم يتساهل فِيهِ، بل أوجب لَهُ مَا زَاد بذره فِي قيمَة الأَرْض، على مَا هُوَ الْأَصَح، أَو أوجب لَهُ مثل بذره، على مَا هُوَ الْمُخْتَار، مَعَ كَونه أَلْقَاهُ بِاخْتِيَارِهِ فِي أَرض الْغَيْر بِلَا حق يسوغ لَهُ ذَلِك؛ وَذَلِكَ لِأَن فعله هَذَا لَا يخرج الْبذر عَن كَونه ملكا لَهُ مُحْتَرما، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يجوز ظلمه بتفويته عَلَيْهِ بِلَا عوض، وَذَلِكَ غير منَاف لوُجُوب ردعه عَن ظلمه بِمَا يَكْفِي زاجراً لَهُ عَن الْعود إِلَى مثله.
وَكَذَلِكَ لَو غصب ثوبا فصبغه، فالمالك مُخَيّر بَين ترك الثَّوْب لَهُ وَأخذ قِيمَته مِنْهُ غير مصبوغ وَبَين أَخذه مصبوغاً وَيُعْطِي للْغَاصِب مَا زَاد الصَّبْغ فِيهِ (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من كتاب الْغَصْب، والمادة / ٨٩٨ / من الْمجلة) .
هَذَا وكما لم يجوز الشَّارِع ظلم الْغَاصِب بتفويت ملكه عَلَيْهِ لم يجوز مُجَاوزَة الْحَد فِي تَضْمِينه غير مَا تنَاوله فعله وَورد عَلَيْهِ مُبَاشرَة، وَلذَا كَانَت زَوَائِد الْمَغْصُوب أَمَانَة لَا تضمن بِدُونِ تعدٍ أَو منع لَهَا عَن الْمَالِك، فَلَو غصب بقرة مثلا فَولدت عِنْده فَهَلَك وَلَدهَا فِي يَده بِلَا تعد وَلَا منع لَهُ عَن الْمَالِك، أَو غصب كرماً مثلا فأثمر فِي يَده ثمَّ هلك الثَّمر كَذَلِك فِي يَده بِلَا تعدٍ وَلَا منع لَهُ عَن الْمَالِك يهْلك أَمَانَة، لِأَنَّهُ لم يرد عَلَيْهِ الْغَصْب مُبَاشرَة (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وَغَيره فِي كتاب الْغَصْب) .
وَكَذَلِكَ لَو أتْلفه لغيره مثلِيا ثمَّ التقيا فِي بلد آخر قيمَة الْمُتْلف من الْمثْلِيّ فِيهِ أَكثر من قِيمَته فِي بلد الْغَصْب، فالغاصب مُخَيّر بَين إِعْطَاء مثله وَإِعْطَاء قِيمَته الْمُعْتَبرَة فِي بلد الْغَصْب مَا لم يرض الْمَالِك بِتَأْخِير الْمُطَالبَة بِالْمثلِ إِلَى بلد الْغَصْب (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / ١٣٠ /) فَلم يُوجب الشَّرْع الْمثل فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة على الْغَاصِب حتما بل خَيره وسوغ لَهُ دفع الْقيمَة مَعَ أَن الْمثْلِيّ مَضْمُون بِمثلِهِ، وَلم يجوز إضراره وَإِن كَانَ ظَالِما، وَلذَا يشْتَرط فِي دَعْوَى غصب الْمثْلِيّ غير النَّقْدَيْنِ ذكر مَكَان الْغَصْب، ليعلم هَل للْمُدَّعِي حق الْمُطَالبَة (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْمحل السَّابِق) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.