الدّليل على أنّ الفئة الباغية لا تخرج بالبغي عن تسمية الإسلام
فإن اعتلَّ أحدهم بما جرى بصفّين، وقال: إنّ معاوية بَغَى على عليّ، بدليل قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعمّار:" وَيْحَ عمَّار تقتُله الفئة الباغية، عمّارٌ يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النّار "(١) وقَاتِلُ عمار من فئة معاوية فلزم أنّهم الفئة الباغية، كما لزم خروجهم عن العدالة.
قلنا: فإنَّ هذا أقلّ من أن نردَّ عليه؛ ذلك أنَّ الله تعالى، قال {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... (٩)} [الحجرات] فسمّاهم مؤمنين مع الاقتتال، وهذا صريح على بقائهم أجمعين على الإيمان.
وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: " إنّ ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يُصلحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين "(٢) فَسَمَّى - صلى الله عليه وسلم - الجميع مسلمين مع الاختلاف، وهذا صريح على بقائهم كلّهم أجمعين على كمال الإسلام؛ لأنّهم مجتهدون متأوّلون، فهم معذورون فيما شجر بينهم.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: " لا تقوم السّاعة حتّى تقتتل فئتان دعواهما واحدة "(٣) والفئتان هما جماعة عليّ وجماعة معاوية، والمراد بالدّعوة كما قال ابن حجر:" الإسلام على الرّاجح، وقيل المراد اعتقاد كلّ منهما أنّه على الحقّ "(٤).
قلنا: فإن كان المراد الإسلام فقد أثبت - صلى الله عليه وسلم - الإسلام لهما مع الاقتتال، وإن كان المراد
(١) البخاري " صحيح البخاري " (م ٢/ج ٣/ص ٢٠٧) كتاب السّير. (٢) البخاري " صحيح البخاري " (م ٢/ج ٣/ص ١٦٩) كتاب الصّلح. (٣) البخاري " صحيح البخاري " (م ٤/ج ٨/ص ٥٣) كتاب استتابة المرتدين. (٤) ابن حجر " فتح الباري " (ج ١٣/ ص ٢٥٥).