و"المسكين"، هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة، وهو"مفعيل" من"المسكنة". و"المسكنة" هي ذل الحاجة والفاقة. (١)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى:{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}
قال أبو جعفر: إن قال قائل: كيف قيل: (وقولوا للناس حسنا) ، فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر؟ قيل: إن الكلام، وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر، فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنهي. فلو كان مكان:"لا تعبدون إلا الله"، لا تعبدوا إلا الله - على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره - كان حسنا صوابا. وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب. وإنما حسن ذلك وجاز - لو كان مقروءا به - لأن أخذ الميثاق قول.
فكان معنى الكلام -لو كان مقروءا كذلك-: وإذ قلنا لبني إسرائيل: لا تعبدوا إلا الله، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر:(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)[البقرة: ٦٣] . فلما كان حسنا وضع الأمر والنهي في موضع:(لا تعبدون إلا الله) ، عطف بقوله:(وقولوا للناس حسنا) ، على موضع (لا تعبدون) ، وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه، (٢) لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهي موضع"لا تعبدون". فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله، وقولوا للناس حسنا. وهو نظير ما قدمنا البيان عنه: من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكاية لما أخبرت عنه، (٣) ثم تعود إلى الخبر على
(١) انظر ما سلف في هذا الجزء: ٢: ١٣٧. (٢) في المطبوعة:"ومعناه" بزيادة الواو، والصواب حذفها. (٣) في المطبوعة: "في موضع الحكايات كما أخبرت عنه"، والصواب ما أثبته.