وأما نفي الحزن عن المؤمنين هاهنا، فقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنه لا يكون عليهم حزن في الآخرة ولا خوف، ونظيره قوله تعالى:{تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا}(١).
وقال صلى الله عليه وسلم:[يحشر النّاس يوم القيامة حفاة عراة] فقالت عائشة: وا سوأتاه! فقال صلى الله عليه وسلم: [أما سمعت قوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}(٤)] (٥).قالوا:
وإنما نفى الله تعالى في هذه الآية الحزن عن المؤمنين؛ لأن حزنهم لما كان يعرض الزوال، ولم يكن له بقاء معهم لم يعتدّ بذلك.
قوله عزّ وجلّ:{لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ؛} أي أخذنا عهد بني إسرائيل على أن يعملوا بما في التوراة والإنجيل، وكل نبيّ يبعثه الله إلى قومه فآمنوا به، فذلك أخذ ميثاقهم، {وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ؛} أي كلّما جاءهم رسول بما لا يوافق هواهم ولا ما هم عليه، {فَرِيقاً كَذَّبُوا؛} أي كذبوا جماعة من الرّسل مثل عيسى ومحمّد صلوات الله عليهما، {وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ}(٧٠)؛مثل زكريّا ويحيى عليهما السّلام.
قوله تعالى:{وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ؛} أي ظنّوا ألاّ يكون عذابا وعقوبة، وقيل: ابتلاء بسبب قتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل. من قرأ «(يكون)» بالنصب فمعنى (أن يكون)،ومن قرأ بالرفع فمعناه:(أنّه لا يكون) أي فحسبوا أنّ فعلهم غير فاتن لهم، {فَعَمُوا وَصَمُّوا؛} عن الحقّ؛ أي عملوا معاملة الأعمى
(١) فصلت ٣٠/. (٢) الحج ٢/. (٣) عبس ٣٤/-٣٥. (٤) عبس ٣٧/. (٥) أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الرقاق: باب الحشر: الحديث (٦٥٢٧).ومسلم في الصحيح: كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب فناء الدنيا: الحديث (٢٨٥٩/ ٦٥).والنسائي في السنن الصغرى: كتاب الجنائز: باب البعث: ج ٤ ص ١١٤.والحديث له طرق مختصرة عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم جميعا.