وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً}(١) أشفق المسلمون من مخالطتهم؛ وكان كلّ من في حجره يتيم يجعل لليتيم بيتا وطعاما وخادما على حدة؛ وكانوا لا يخالطون اليتامى في شيء (٢)،فشقّ ذلك عليهم، فجاء عبد الله بن رواحة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنّ الله تعالى أنزل في أمر اليتامى ممّا أنزل من الشّدّة، أفيصلح لنا يا رسول الله أن نخالطهم نستعير منهم الخادم والدّابّة ونشرب من لبن شاتهم؟ فأنزل الله هذه الآية). {(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى)} أي عن مخالطة اليتامى، {(قُلْ إِصْلاحٌ)} لأموالهم خير الأشياء إذ هو خير من الإنفاق.
قوله تعالى: {(وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ)} أي وإن تشاركوهم وتخلطوا أموالهم بأموالكم في نفقاتكم ومطاعمكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما يصيبون من أموالكم، فهم إخوانكم في الدين.
وقرأ طاوس: «(قل إصلاح لهم خير)» بمعنى الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض منهم خير وأعظم أجرا. وقرأ أبو مخلّد: «(فإخوانكم)» بالنصب؛ أي تخالطوا إخوانكم. قوله تعالى: {(وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)} أي يعلم من كان غرضه بالمخالطة إصلاح أمر اليتامى، ومن يكون غرضه إفساد أمرهم.
قوله عزّ وجلّ:{وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ؛} أي لأثّمكم في مخالطتهم وضيّق عليكم. والعنت: الإثم؛ ويسمى الفجور عنتا؛ لما فيه من الإثم. وأصل العنت: الشدّة والمشقّة؛ يقال: عقبة عنوت؛ أي شاقّة كئود. وقال أبو عبيدة:(معناه:
ولو شاء الله لأهلككم).قوله عزّ وجلّ:{إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(٢٢٠)؛أي منيع غالب لا يمانع فيما يفعل من المساهل والمشاق، ذو حكمة فيما أمركم به في أمر اليتامى وغير ذلك.
واسم اليتيم إذا أطلق انصرف إلى الصغير الذي لا أب له. والعرب تسمي المنفرد يتيما؛ يقولون: الدّرّة اليتيمة؛ يريدون بذلك أنّها منفردة لا نظير لها.