للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ويحكى: أنّ يهوديا كانت له حاجة إلى هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه زمانا فلم يقض حاجته، فوقف يوما على الباب، فخرج هارون وهو يسعى بين يديه، فقال له: اتّق الله يا أمير المؤمنين! فنزل هارون عن دابّته وخرّ ساجدا؛ فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت. فقيل له: يا أمير المؤمنين، نزلت عن دابّتك لقول يهودي؟! قال: لا، ولكن ذكرت قول الله {(وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ)}.

قوله عزّ وجلّ: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ؛} قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في صهيب بن سنان وعمّار بن ياسر وأمّه سميّة وأبيه ياسر وبلال وخبّاب بن الأرتّ وغيرهم، أخذهم المشركون في طريق مكّة؛ فعذّبوهم، فأمّا صهيب فقال لهم: أنا شيخ كبير لا يضرّكم أمنكم كنت أم من عدوّكم، أعطيكم جميع مالي ومتاعي وذروني وديني نشتريه منكم بمالي، ففعلوا؛ فأعطاهم ماله وتوجّه إلى المدينة. فلمّا دخل المدينة لقيه أبو بكر فقال: ربح البيع يا صهيب، قال: وبيعك لا يخسر، وما ذاك يا أبا بكر! فأخبره بما نزل فيه؛ وهو قوله:

{(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ)} (١).

وأمّا سميّة وياسر فقتلا، وكانا أوّل قتيلين قتلا من المسلمين. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لهما بمكّة: [اصبروا يا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة] (٢).وأمّا الآخرون؛ فإنّهم أعطوا على العذاب بعض ما أراد المشركون من كلمة الكفر وسب الإسلام؛ وكانت قلوبهم مطمئنّة بالإيمان، فتركوا وقدموا المدينة، وفيهم نزل قوله تعالى:

{مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ} (٣).

ومعنى قوله: {(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ)} على هذا التأويل الذي ذكرناه:

ومن الناس من يشري نفسه ودينه بماله. وعن عمر وعليّ رضي الله عنهما: أنّهما قالا


(١) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة: باب ذكر هجرة صهيب: الحديث (٥٧٥٩) عن سعيد بن المسيب مرسلا. والطبراني في المعجم الكبير: ج ٨ ص ٢٩:ذكر وفاة صهيب: الحديث (٧٢٩٠) مرسلا.
(٢) نقله الهندي في كنز العمال، ونسبه للطبراني والخطيب: النص (٣٣٥٦٨).
(٣) النحل ١٠٦/.

<<  <  ج: ص:  >  >>