وقال بعضهم: معناه: اذكروا الله بالتوحيد كما تذكرون آباءكم بذلك؛ فإنّكم لا ترضون أن تنسبوا إلى أبوين، وكذلك لا ترضون من أنفسكم باتّخاذ إلهين.
وعن عطاء والربيع والضحاك في قوله: {(كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ)}: (هو كقول الصّغير أوّل ما يفقه الكلام (أبه أبه) أي استغيثوا بالله وافزعوا إليه في جميع أموركم؛ كما يفزع الصّغير إلى أبيه في جميع أموره ويلتحّ بذكره) (١).وعن أبي الجوزاء قال: قلت لابن عباس رضي الله عنه: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: {(فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ)} وقد يأتي على الرّجل اليوم لا يذكر أباه، فقال ابن عبّاس:(ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله إذا عصي أشدّ من غضبك لوالديك إذا شتما)(٢).
وأما وجه نصب (أشدّ) فقال الأخفش: (اذكروه ذكرا أشدّ ذكرا).وقال الزجّاج:(هو في محلّ الخفض، ولكنّه لا ينصرف لأنّه صفة على وزن (أفعل).
ونصب (ذكرا) على التّمييز) (٣).
قوله عزّ وجلّ:{فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ}(٢٠٠)؛نزلت في مشركي قريش كانوا يقولون في عادتهم في الحجّ: اللهمّ ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا وإماء وأموالا. ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة والمغفرة، كانوا لا يرجون إلا نعيم الدّنيا، ولا يخافون البعث والنشور (٤).فبيّن الله تعالى بقوله: {(وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)} أي من نصيب ولا ثواب.
والمعنى: من يطلب بحجّه أمور الدّنيا لا يريد بذلك ثواب الله تعالى، فلا نصيب له في ثواب الآخرة. وقال أنس بن مالك: (كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون
(١) في الدر المنثور: ج ١ ص ٥٥٨؛ قال السيوطي: «أخرجه ابن أبي حاتم عن عطاء». (٢) في الدر المنثور: ج ١ ص ٥٥٨؛ قال السيوطي: «أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم». (٣) قاله في معاني القرآن وإعرابه: ج ١ ص ٢٣٦. (٤) أخرجه الطبري في جامع البيان: النص (٣٠٧١) عن أبي بكر بن عياش.