للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وحوّاء تعارفا بها بعد التفاقد. ويقال: لأنّ جبريل عرّفها إبراهيم عليه السّلام ليقف عليها حين كان يعلّمه أمر المناسك؛ فقال إبراهيم: عرفت. وقال بعضهم: سميت بذلك لأن الناس يعترفون في هذا اليوم على ذلك الموقف بذنوبهم. وقيل: هي مأخوذة من العرف وهو الطّيب، قال الله تعالى: {عَرَّفَها لَهُمْ} (١) أي طيّبها لهم.

قوله عزّ وجلّ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (١٩٩)؛قال عامّة المفسرين: كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها وهم الحمس لا يخرجون من الحرم إلى عرفات؛ وكانوا يقفون بالمزدلفة يقولون: نحن أهل الله وسكّان حرمه؛ فلا يخلف الحرم ولا يخرج منه فلسنا كسائر الناس، كانوا يتعظّمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات. ويقول بعضهم لبعض: لا تعظّموا إلا الحرم، فإنكم إن عظّمتم غير الحرم تهاون الناس بحرمكم، فقفوا بجمع، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاضوا من المشعر وهو المزدلفة.

فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى المزدلفة مع سائر الناس فيكون المراد بالإفاضة في هذه الآية على هذا القول: الإفاضة من عرفات.

وكان سائر الناس غير الحمس يقفون بعرفات، فأنزل الله هذه الآية وأمر قريشا وغيرهم من الحمس أن يقفوا بعرفة حيث يقف الناس، ويدفعوا منها معهم.

وإنّما ذكر الناس وأراد قريشا بالإفاضة من حيث أفاض الناس؛ لأن قريشا ومن دان بدينها كانوا قليلا بالإفاضة إلى سائر الناس.

قوله تعالى: {(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ)} على هذا التأويل راجع إلى أوّل الكلام، كأنه «قال» (٢) {(فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ)} {(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ)} {(فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ)} المسجد (الحرام).فيكون في الآية تقديم وتأخير. ويكون الأمر بالإفاضة عطفا على الإحرام دون الإفاضة من عرفات؛ فكأنه قال: أحرموا كما أمركم الله {(ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ)}. وعلى هذا التأويل جمهور المفسرين.


(١) محمّد ٦/.
(٢) «قال» سقطت من المخطوط، ويقتضيها السياق بالضرورة.

<<  <  ج: ص:  >  >>