للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ومعنى الآية: فمن أحرج فالتجأ إلى ذلك بالمجاعة والإكراه، {(غَيْرَ باغٍ)} أي غير طالب لذلك؛ أي غير طالب تلذّذ، {(وَلا عادٍ)} أي ولا متجاوز قدر ما يسدّ به رمقه، وقوله عزّ وجلّ: {(غَيْرَ باغٍ)} نصب {(غَيْرَ)} على الحال، وقيل: على الاستثناء؛ وإذا رأيت (غير) لا يقع في موضعها (إلاّ) فهي حال؛ وإذا يقع في موضعها (إلاّ) فهي استثناء؛ فقس على هذا.

وقال بعض المفسرين: على معنى {(غَيْرَ باغٍ)} أي غير قاطع للطريق، {(وَلا عادٍ)} أي ولا مفارق للأئمة ولا مشاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه، ومن خرج يخيف السبيل؛ أو يفسد في الأرض؛ أو آبق من سيده؛ أو فرّ من غريمه؛ أو خرج عاصيا بأيّ وجه كان فاضطرّ إلى الميتة؛ لم يجز أكلها، واضطرّ إلى الخمر عند العطش؛ لم يحلّ له شربها، وهذا قول مجاهد وابن جبير والكلبيّ، وبهذا التأويل أخذ الشافعيّ رحمه الله، وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: «يجوز ذلك لهم ولو كانوا بغاة خارجين على المسلمين كما يجوز لأهل العدل».

قال ابن عباس والحسن ومسروق: (تفسير قوله: {(غَيْرَ باغٍ)} أي غير باغ في الميتة، ولا عاد في الأكل).وقال مقاتل: (أي غير باغ ومستحلّ، ولا عاد أي ولا متزوّد منها).وقال السديّ: (غير باغ في أكله بشهوة وتلذّذ، ولا عاد أي لا يأكل حتّى يشبع منها، ولكن يأكل منها ما يمسك رمقه).وقال بعضهم: غير باغ؛ أي متجاوز للقدر الذي يحل له، ولا عاد؛ أي لا يقصر فيها فيما يحل له منها؛ فلا يأكله.

قال مسروق: (بلغني أنّه من اضطرّ إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار).

واختلف الفقهاء في حدّ الاضطرار إلى الميتة فيما يحلّ للمضطر أكله من الميتة، فقال بعضهم: إنه لا يجوز له الأكل إلا عند خوف التلف في آخر الرمق وهو الصحيح، وقال بعضهم: إذا كان يضعف عن الفرائض. وقال بعضهم: إذا كان بحيث لو دخل إلى سوق لا ينظر إلى شيء سوى المطعوم.

وأما مقدار ما يأكل عند الضرورة فقال أبو حنيفة: (لا يأكل إلا ما يسدّ رمقه)، وهو أحد قولي الشافعي. وقال مالك: (يأكل حتى يشبع ويتزوّد منها، فإن وجد شيئا مباحا طرحها).وقال مقاتل: (لا يزيد على ثلاثة لقم).

<<  <  ج: ص:  >  >>