وقوله تعالى: {(ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ)} و {(ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ)} تعجيب لشأن أصحاب الميمنة في الخير، والترغيب في طريقتهم، كما يقال: فقيه أيّ فقيه، وتعظيم لشرّ أصحاب المشأمة والتحذير عن طريقتهم.
والسّابقون في الدّنيا إلى الطاعات، هم السّابقون في العقبى إلى الدرجات. وقيل: هم الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان برسوله.
وقال ابن سيرين:(هم الّذين صلّوا إلى القبلتين، وشهدوا بدرا)(١)،دليله قوله تعالى:{وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ}(٢)،وقال ابن عبّاس:(هم السّابقون إلى الهجرة)(٣)،وقال عليّ رضي الله عنه:(هم السّابقون إلى الصّلوات الخمس)(٤)، وقال ابن جبير:(المسارعون إلى التّوبة وإلى أعمال البرّ)(٥)،ونظيره {سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}(٦)،وقال {أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ}(٧).
قوله تعالى: {أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ} (١٢)؛أي هم المقرّبون إلى كرامة الله تعالى وجزيل ثوابه في أعلى الدرجات، ثم أخبر أين محلّهم فقال {(فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ)}.
قوله تعالى:{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ}(١٣)؛أي جماعة من أوائل الأمم ممّن صدّق بالنبيّين من ولد آدم إلى زمان نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم،
{وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ}(١٤)؛أي من هذه الأمّة، وذلك أنّ الذين عاينوا جميع النبيّين وصدّقوا بهم أكثر ممن عاين نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم، ألا ترى إلى قوله تعالى {وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}(٨) هؤلاء سوى من آمن بجميع الأنبياء وصدّقهم، والثّلّة في اللغة: هي القطعة، الكثرة من النّاس، والجماعة الذين لا يحصى عددهم.
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (٢٥٧٧٠). (٢) التوبة ١٠٠/. (٣) نقله أيضا الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٢٠٢. (٤) نقله أيضا الثعلبي في الكشف والبيان: ج ٩ ص ٢٠٢. (٥) ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج ١٧ ص ١٩٩. (٦) الحديد ٢١/. (٧) المؤمنون ٦١/. (٨) الصافات ١٤٧/.