وقال أنس بن مالك وابن الزبير ومجاهد: هو تطوع إن فعله فحسن، وإن تركه لم يلزمه شيء، واحتجّوا بقراءة ابن عباس وابن سيرين: «(فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)».
وكذلك هو في مصحف عبد الله؛ وبقوله بعد ذلك: {(وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً)} وهذا دليل على أنه تطوّع.
والجواب عنه: أن (لا) صلة كقوله: {ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ}(١) وقوله: {لا أُقْسِمُ}(٢).وحجة من أوجبه: أنّ الله سماهما {(مِنْ شَعائِرِ اللهِ)}.وأما قوله: {(وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً)} فمعناه من زاد على الطواف الواجب. وحجة من قال إنه فرض: فتسمية الله له من شعائره. قلنا: هذا لا يدلّ على الفرضية؛ فإن الله سمّى المزدلفة المشعر الحرام؛ ولا خلاف أنّ الدم يقوم مقامه.
وسمّي الصّفا؛ لأنه جلس عليه صفيّ الله آدم عليه السّلام. وسميت المروة؛ لأنّها جلست عليها امرأته حوّاء، وأصل السعي: أنّ هاجر أمّ إسماعيل لمّا عطش ابنها إسماعيل وجاع صعدت على الصّفا فقامت عليه تنظر؛ هل ترى من أحد؟ فلم تر أحدا؛ فهبطت من الصّفا حتى جاوزت الوادي ورفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي؛ ثم أتت المروة وقامت عليها؛ هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فعلت ذلك سبع مرات.
قوله تعالى:{وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً}؛ قرأ حمزة والكسائي: «(يطّوّع)» بالياء وتشديد الطاء والجزم. وكذلك الثاني بمعنى يتطوع. وقرأ عبد الله: «(يتطوّع)» وقرأ الباقون: «(تطوّع)» بالتاء ونصب العين. ومعنى الآية: ومن زاد في الطواف الواجب.
وقال ابن زيد:(ومن تطوّع خيرا فاعتمر).وقيل: من تطوع بالحج والعمرة بعد حجته الواجب. وقال الحسن:(فعل غير المفروض عليه من زكاة وصلاة ونوع من أنواع الطّاعات كلّها)؛ {فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ}(١٥٨)؛أي مجاز له بعمله عليم (٣) بنيّته يشكر اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير.