قوله تعالى:{لا جَرَمَ؛} قيل: معنى {(لا جَرَمَ)}:لا بدّ، ويقال: لا محالة، ويقال: حقا، قال سيبويه:(لا جرم بمعنى حقّا)(١).وقال الزجّاج:(لا بقاء لما ظنّوا أنّه ينفعهم) كأنه قال: لا ينفعهم ذلك جرم، {أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ}(٢٢)؛أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وجرم معناه: كسب، وذلك كقوله:{لا يَجْرِمَنَّكُمْ}(٢).
(أنابوا).وهذه الآية نازلة في أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما قبلها نازل في المشركين.
ثم ضرب الله مثلا في الفريقين فقال:
قوله تعالى:{*مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ؛} يعني الكفار، {وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ؛} يعني المؤمنين؛ لأنّهم سمعوا الحقّ وأبصروه واتّبعوه. قوله تعالى:{هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً؛} أي هل يستوي الأعمى والأصمّ والبصير والسميع عند عاقل، كما لا يستويان عند أحد من العقلاء، فكذلك لا يستوي حال المؤمن والكافر عند الله في الدّنيا والآخرة، {أَفَلا تَذَكَّرُونَ}(٢٤)؛أي أفلا تتّعظون بأمثال القرآن.
قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}(٢٥) ابتدأ بذكر أوّل رسول جاء بالشريعة بعد آدم عليه السّلام وهو نوح عليه السّلام، أوّل من جاء بتحريم الأمّهات والأخوات، وقوله تعالى: {(إِنِّي لَكُمْ)} من فتح الألف كان التقدير:
أرسلنا نوحا بأنّي لكم، ومن كسر فتقديره ليقول: إنّي لكم.
(١) قال سيبويه معناه في كتاب سيبويه: ج ٣ ص ١٣٨.وفي معاني القرآن وإعرابه: ج ٣ ص ٣٧؛ قال الزجاج: (ومعنى (لا) نفي لما ظنّوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون). (٢) المائدة ٢/.