وكيف حقيقة البصر، فأعلم الله تعالى أنّ خلقا من خلقه لا يدرك كنهه ولا يحيطون بعلمه؛ فكيف يحيطون بالله؟!
فمن حمل الآية على هذا التأويل؛ لم يكن فيه ما ينفي الرؤية في الآخرة؛ لأن معنى الرؤية غير معنى الإحاطة بحقيقة الشيء. وقال بعض المفسّرين:(إنّ الإدراك إذا قرن بالبصر؛ كان المراد منه الرّؤية، فإنّه يقال: أدركت ببصري؛ ورأيت ببصري، بمعنى واحد، كما يقال: أدركت بأذني؛ وسمعت بأذني، بمعنى واحد)(١).
قالوا: وأصل الإدراك: اللّحوق؛ نحو قولك: أدركت زمان فلان؛ وأدرك فلان أبا حنيفة؛ وأدرك الزرع والثمرة؛ وأدرك الغلام إذا لحق حال الرّجال. وإدراك البصر الشيء ولحوقه به برؤيته إيّاه، إلا أنه لا يمتنع أن تكون هذه الآية عامّة من جهة اللفظ والمراد منها الخصوص توفيقا بين هذه الآية وبين قوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ}(٢).قوله تعالى:{وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(١٠٣)؛أي اللّطيف بعباده في التّدبير، الخبير بمصالحهم.
قوله تعالى:{قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ؛} أي جاء كم القرآن الذي فيه البيان. والبصائر: جمع البصيرة؛ وهي الحجّة البيّنة، فمن أبصر فلنفسه نفعه، {وَمَنْ عَمِيَ؛} عن الحقّ والقرآن؛ {فَعَلَيْها؛} فعلى نفسه ضرر ذلك، {وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}(١٠٤)؛أي برقيب أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، فإنّ الله يجازيكم على أعمالكم.
وقيل: معناه: لست عليكم بحفيظ فأحول بينكم وبين إضراركم بأنفسكم، وإنّما أنا رسول أبلّغكم رسالات ربكم وهو الحفيظ عليكم، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
قوله تعالى:{وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ؛} أي مثل ما صرّفنا الآيات وبيّناها فيما تلي عليك؛ نصرّف الآيات ونبيّنها في المستقبل لئلاّ يقولوا:
(١) نقله الطبري في جامع البيان: تفسير الآية: مج ٥ ج ٧ ص ٣٩٣ و ٣٩٤. (٢) القيامة ٢٢/-٢٣.